الخميس، 19 يناير، 2017

أضع دائما مهبلي - آيلين مايلز [قصيدة مترجمة]


أضع دائما مهبلي
في وسط شجرتين
مثل شلال
مثل بوابة إلى الله
مثل سرب طير
أضع دائما فرج عشيقتي
على ذروة موجة
مثل علم
أعلن مبايعتي له. هذا وطني
هنا، عندما نكون وحدنا
في مكان عام.
مهبل عشيقتي
شارة شرطة
هراوة
خوذة
وجه ظبي
حفنة أزهار
شلال
نهر من الدماء
إنجيل
إعصار
متنبئ
مهبل عشيقتي
صيحة حرب

صلاة

وجبة غداء
ثري
سعيد
يظهر في التلفاز
ذا حس فكاهي
له مهنة
وكوب قهوة
يذهب للعمل
يتأمل
دائما وحده
يعرف وجهي
يعرف لساني
يعرف يدي
هو المنبه
صاحب عادات سيئة
مؤمن بأفكاره


اضع دائما مهبلي

وسط شجرتين
مثل شلال
قطعة حلي
أرتديها على صدري
مثل شارة شرطة في أمريكا
حتى نكون انا وعشيقتي
في أمان
آيلين مايلز، شاعرة أمريكية

السبت، 27 فبراير، 2016

ترجمة: عندما التقى الن غينسبرغ ببيرني ساندرز - آلان ام. جالون

  
متى التقى الن غينسبرغ وبيرني ساندرز للمرة الأولى؟ ماذا كانت ظروف تلك المقابلة؟ يبدو ان حتى المقربين من ساندرز وغينسبرغ لا يتفقون على تاريخ اللقاء الذي تحدثت عنه صحيفة فوروورد في مقالة نشرتها على موقعها الالكترني. عادت الاسئلة لتطرح مرة اخرى بعد ان انتشرت صورة على الانترنت تجمع الشاعر صاحب التوجهات الاشتراكية مع عمدة ولاية فيرمونت اليساري في مكتبه. الصورة التي اثارت بعض التساؤلات عن اللقاء، التقطتها المصورة فيليس سيغورا في سنة 1983 والتي كانت تعمل حينها كمصورة مستقلة لصالح مجلة يوغا جورنال. كانت وظيفتها في ذلك الوقت هو تتبع آلن غينسبرغ في جولة لقراءة الشعر في فيرمونت. الصورة تظهر ساندرز متحمسا بينما  يظهر غينسبرغ اكثر راحة مرتديا ثيابا ذات طابع رسمي، ويبدو ان النقاش كان يدور حول موضوع مهم. السؤال هنا، ما الذي ادى لأن يتلقيا؟ ”لا أتذكر ما الذي كانا يتناقشان حوله“ قالت سيغورا لمجلة فوروورد، من منزلها في شمال نيويورك. ”ليتني استطيع ان اتذكر النقاش. اتذكر ان الموسيقي ستيفن تايلر كان في نفس الغرفة“ 
ستيفن اكس تايلر، عازف غيتار وصاحب تعاونات موسيقية متعددة رافق الن غينسبرغ لفترة طويلة ما بين عام 1976 و 1996. تم التواصل معه في بروكلين، قال انه يتذكر، واضاف ان النقاش كان وديا ولطيفا لكن الزمن محى من ذاكرته ما دار في ذلك الحوار. لاحقا قال تايلر ان يتذكر انهما التقيا مرة أخرى في مكان عام وبدا ان ساندرز لم يكن راضيا في تلك المرة. اضاف ان اللقاء قد حدث ولربما في الجولة التي قام بها مع غيسنرغ عام 1983 لكن لا يمكنه التأكيد على ذلك. سيغورا قالت ان اللقاء الذي حدث في مكان عام لم يحدث في تلك السنة ”هذا لم يحدث، لانني رافقت الن في تلك الجولة“. تايلر أضاف ان في تلك الزيارة إلى بيرلنغتون قام ساندرز بتقديم الشاعر للجمهور قبل ان يقوم الأخير بقراءة قصائده التي رافقها عزف تايلر على آلة الجيتار. ”الذي حدث، اننا قمنا بهذا العرض داخل بناية تمتلكها بلدية بيرلنغتون.. وساندرز حضر لتقديم الن“ يقول ان ساندرز كان يجلس في الصف الأول. ”بيرني كان فخورا بتقديم الن لكن كانت للأخيرعادة وهي قراءة قصائده الجديدة امام الجماهير قبل نشرها، ولسوء حظ ساندرز في ذلك اليوم كانت القصيدة عن الجنس الشرجي. "كانت لديه هذه النزعة الفاحشة وحب الحديث بشكل بذيء أمام العامة. اسلوب متبع في النشاط المساند للمثلية الجنسية وهو ايضا ما قام به" القصيدة كانت بعنوان ”ماذا انت بفاعل؟“ وقد نشرت في النسخة الأخيرة من مجموعته الشعرية. ”نهض ساندرز من مقعده بينما كان غينسبرغ منهمكا بقراءة القصيدة، ومن ثم ادار ظهره وغادر المكان“ يضيف تايلر، "قلت لنفسي: يا له من موقف سيء لرجل سياسي، يا الهي هذا الشخص اليساري له همومه الخاصة وفوق ذلك كان يجلس هنا يشاهد الن غينسبرغ يقرأ قصيدة عن الجنس الشرجي. لم يكن من المفترض ان يقوم الن بهذا. كان عليه ان يكون أكثر حرصا  لكن الحماس كان قد اخذه حين أدى قراءة القصيدة، كان مؤديا بارعا..“  
قلت لتايلر ان ساندرز ظهر في الصورة التي التقطت عام 1983 كشاعر أكثر منه كسياسي بينما غينسبرغ - الشاعر الذي كان يكتب قصائد قابلة للانفجار- ظهر 
كعمدة لمدينة صغيرة وهو يرتدي باناقة معطفا وربطة عنق. 
“اوه، اشترى تلك الثياب من محلات جيش الخلاص، كل ثيابه اشتراها من هناك“ 

القائمون على حملة ساندرز الانتخابية لم يجيبوا على طلبنا بالتعليق على الصورة او الحادثة التي ذكرها تايلر. كان للمتمردان، غينسبرغ وساندرز تواصل على مدى السنين. الشاعر زار بيرلنغتون عدة مرات من بينها الزيارة في 1986، عندما كتب قصيدة بعنوان ” ثلوج بيرلنغتون“ التي مدح فيها فضائل وقيم الاشتراكية وقام بالقراءة في مكتبة محلية صغيرة. غينسبرغ سافر الى فيرمونت عدة مرات للبقاء مع مدرسه البوذي ”تشوغيام ترونغبا“ في المركز البوذي الذي كان يبعد حوالي نصف ساعة من بيرلغنتون. المصورة سيغورا التقطت له عدة صور اخرى هناك وفي اماكن اخرى خلال جولة 1983. كانت قد تعرفت عليه في سبعينيات القرن الماضي عندما عرفها الشاعر غريغوري كورسو على الن غينسبرغ. قالت ان الظهور الاعلامي لبيرني ساندرز مؤخرا اعادها للنبش في ملفاتها وقادها ذلك الى العثور على الصورة. 
  



الخميس، 7 أغسطس، 2014

السيدة لعازر - مايلي ميلوي. ترجمة علي البدري



منذ سنوات وبعد تقاعدي من عملي في المصرف، قام جيمس بإحضار كلب صغير من نوع تيريير إلى شقتنا في باريس. قلت له انني لا اود الاحتفاظ به. نيته كانت ان انشغل مع الكلب في وقت فراغي، لكن من يريد الحصول على كلب؟ ربما في أحد الأيام تستيقظ من نومك وتقول، "في خاطري أن أجمع خمسمائة قطعة من الغائط." حسنا، لدي كائن سيقوم بهذا من أجلك. وبالنسبة لي، أرى انه من السخيف ان يحصل أي رجل على كلب بهذا الحجم. "أرجوك" قال جيمس. "لنرى كيف ستسير الأمور." فكرت بالأمر، كلبة، أنثى وشقراء وحجمها ليس أكبر من حجم القطط. شعرها كان يغطي عينيها، ولذلك كانت ترفع حاجبيها دائماً. جلست، وكأن تصرفها هذا سيؤثر على قراري. جميس رجل انجليزي واراد ان يسميها كورديليا، ليس من أجل تلك الشخصية في مسرحية الملك لير لشكسبير، بل على اسم رواية انجليزية أخرى. لم أكن سأختار هذا الاسم، لكن الأمر لم يستحق عناء الجدال. قام بترتيب حلبة من الدمى، عقدة من القماش، كرة وفراش دائري، ليبين لي كيف ستكون الأمور ممتعة. كنت مستعدا لنباحها لكنها لم تنبح. قامت بشم الدمى والفراش وانتظرت قراري.

في اليوم التالي، سافر جيمس إلى البرازيل أو الأرجنتين. وبقيت وحيدا مع الكلبة. كان يعمل في الاستيراد ولذلك فهو كثير السفر. أعتقد ان كورديليا عرفت منذ بداية الأمر انها لا تستطيع الاعتماد عليه، ولهذا كانت تنتظر أوامري. أخذتها للخارج لتفرغ معدتها ومن ثم ذهبنا نحو البوابة ومنها إلى الشارع. تمشينا في شوارع باريس. ذهبنا إلى غابة بولونيا، وهناك رأيت نسرا يحلق بشكل دائري وانظاره نحو كورديليا، كانت وجبة خفيفة بالنسبة له. "لا تفكر حتى بالأمر." قلت للنسر. الناس الذين كانوا يمرون بجانبي سابقاً ولا يقتربون، أصبحوا الآن يأتون للحديث معي واللعب مع كورديليا وهي سمحت لهم بذلك. كانت ديزي تعد وجبة الغداء عند وصولنا للمنزل. ديزي نزلت على الأرض لتفرك اذني كورديليا وهي تبكي سعيدة. ديزي من اندونيسيا، خلوقة جدا، عملت في شقتنا لسنين، لكنني لم أرها تبكي ابدا. ضحكت ديزي عندما حيتها كورديليا بلعقة على الوجه. انصرفت لأقرا الصحف قبل ان تأتي كورديليا لتجلس في حضني. في البداية، اعتقدت انها كانت لعبة من ألاعيبها حتى تظفر بدعمي.

كورديليا اختارتني لأنني اوفر لها الطعام واحميها من ملاحقة الذئاب والنسور. لكن لاحقا، تطورت هذه العلاقة. كنا نخرج كل يوم واجعلها تطارد الحمام وشم بول الكلاب قرب الأشجار ومن ثم نعود للشقة لنقرأ الصحف. أحيانا لا أفهم نظراتها، وفي أحيان أخرى كانت نظراتها عبارة عن أسئلة مفهومة. الجدال بيني وبينها كان صامتا، مثل "لا أريد لهذا الطوق ان يكون حول رقبتي" وهذا جدال يسهل حله. كان شعرها يحتاج لبعض الترتيب، لذلك قمت بإحضار امرأة متخصصة قامت بوضع شريط زهري حول اذني كورديليا. كانت تكره هذا الشريط وكانت لها عزة نفس أكبر من ان تربط بشريط. قلت للمرأة ان تتوقف. هناك تفاهم يولد بينك وبين الحيوان الذي يحدق بك طول الوقت، أعتقد انه يتحول لشيء يشبه الحب.

لم أكن أتصور أن أصل إلى هذا العمر. لم أصدق انني أصبحت شخصا عتيقا. أوصاني الطبيب بالابتعاد عن شرب النبيذ مع الغداء، وذلك من أجل سلامة قلبي. لكن ما قيمة الحياة ان لم تكن قادرا على شرب النبيذ؟ إذا كنت في مثل سني، ستصدق الفكرة التي تقول ان الألمان كانوا سيطلقون رصاصة على رأسك قبل أن تمارس الجنس مع شخص آخر. جميس في عز شبابه، أصغر مني بكثير. إذا كنت الشخص الأكبر في علاقة ما، فأن الأمور تسير بشكل جيد في البداية فكلاكما متساويان. هو يملك الوسامة والشباب، وانت تملك المال والخبرة. تأخذه معك إلى بورتوفينو، إلى بيارتيز وإلى كابري. لكن السنوات تمضي ويبدأ طبيبك بالقلق على سلامة قلبك، وعلى مفاصلك التي لم تعد صالحة. ستتجنب النظر في المرآة وأنت تستحم بينما حبيبك لا يزال يمتلك قوته وشبابه.

أحيانا، تزورني طليقتي سيمون لتناول الغداء ولنتكلم بشؤون أولادنا، الذين كبروا وصار لديهم أولادهم. أحدهم يعيش في نيويورك والآخر في زيورخ، كلاهما يعمل في مجال البنوك. يعرفان جيمس لكنهما لا يحبانه. أولادي يتصفون بالجدية بينما جيمس شخص مرح. اولادهم.. أحفادي يحبونه ويعتبرونه عما لهم. هو في عمر مناسب ولديه القدرة على اللعب معهم بطريقة لا يفهمها الكبار. سيمون تتقبله، وهذا بالنسبة لي امر رائع. سيمون تبدو كما كانت، ولو انها تعارضني وتقول انني اراها كما كانت لأنني لم أكن انتبه لها، لكن في الحقيقة أنا أنتبه: هي امرأة أنيقة، من كل الزوايا، تزين يدها النحيلة بسوار ذهبي. هي تفهم ماذا يعني ان تكون عجوزاً، ولذلك فهي مرتاحة. تأتي ديزي لتنظف الطاولة بعد رحيلها وأخرج لأتمشى مع كورديليا.

في لحظة ما، أيقنت ان جيمس لا يأتي إلى باريس إلا لحضور حفلة مهمة لرجال الأعمال. لكل شخص موهبة، ولا أحد ينافس جيمس في حضوره أثناء الحفلات المهمة. رجل وسيم، شعره البني مصفف بطريقة جيدة، جسد رشيق وبدلة أنيقة. يملك ابتسامة رائعة، يغمرك بدفئه وترحيبه، الناس يشعرون بأهميتهم معه. له مواهب عديدة لكنها لا تضاهي ما ذكرت. يريدون العمل معه ليحصلوا على اهتمامه. لا يبحث عن لفت الأنظار، فهو يحصل على كل شيء. لكن كل هذا يختفي عند وصولنا للمنزل. لا يعطيني قليلا من دفء ابتسامته واهتمامها. يقول أشياء قليلة عن الحفلة بلكنة انجليزية وهو مشغول بهاتفه. يخلع ملابسه الثمينة دون اهتمام ويتركها على الأثاث مثل الأطفال. يقول ان ديزي سترتبهم، أقول له ان ذلك ليس من ضمن اعمالها، فيرد "بالطبع هذا ضمن اعمالها المنزلية." يهتم فقط لأحذيته، يضعهم في خزانة خشبية، ومن ثم يذهب إلى الحمام ويغلق الباب خلفه.

أتذكر الصبي الذي أحببته منذ زمنين. كنت ألعب ودخلت منزل عائلتي وانا أركض ورأيته هناك يقف مع والدته. كان يحمل نوراً في عينيه. كأن مضيئا حتى في داخل الغرفة المظلمة. كنت صغيرا جدا، وكنت في صدمة، كانت اللحظة التي عرفت فيها ميولي. بعدها جاءت الحرب، وبينما كان الالمان يحتلون باريس من جهة، كنا نغادرها من جهة أخرى. أرسلتني عائلتي إلى إنجلترا للبقاء مع اقربائي، ولم أعلم ما الذي حل بالفتى. وجدته يجلس في الخلف عندما كنت في نادي الليلي بعد الحرب، لم يكن يحب الحديث عن تلك الفترة. فالوسامة التي كانت تساعده سابقا، لم تساعده في فترة الاحتلال الألماني. كانت نية الالمان قتله او ارساله ليبني معتقلاتهم، وهما بالمناسبة الأمر ذاته، لا أعلم كيف استطاع الهروب. قال انه كان يود الانضمام للمقاومة الفرنسية لكنهم رفضوه بسبب ضعفه. كان يستطيع ان يوفر لهم معلومات مهمة لكنهم لم يثقوا به. تم اعتقاله في نهاية الحرب عندما كان الجيش الألماني في حالة من الفزع وببساطة تركوه بالسجن دون طعام. عندما التقيت به في النادي الليلي كان يعاني من السل، لكن هذا لم يمحي وسامته. كنت أرغب به بشدة.

شقيقي الأكبر ترك المنزل وذهب لعيش في شقة، لكنني بقيت في منزل العائلة. الفتى زارني عندما كان المنزل خاليا. أتذكر كيف كان الفتى ينير السجادة واثاث المنزل والغبار الذي كان يطفو في الهواء. في أحد الأيام كنا نتناول العشاء قرب الطاولة الطويلة في منزل العائلة عندما بدأ في السعال. صوت السعال المستمر كان رطبا ومخيفا. المناديل غرفت بالدم، ولون بنفسجي غزا وجهه. هناك شيء لم يكن على ما يرام، الكثير من الدم، كان يسعل ويحتضر هناك في غرفة الطعام. لم أعرف كيف أتصرف، كيف أوقف هذا النزيف. اعتقدت انه سيفتح عيناه ويبتسم ليقول "لا، لا تقلق.. أنا بخير." لكن هذا لم يحدث. سمعت هديرا وكأن البحر يعيش داخل اذني. بيد مرتعشة أمسكت بالهاتف واتصلت بالطبيب ومن ثم بشقيقي. عند وصلوهم كان أخي غاضبا، تركيزه ينصب على فضيحة فتى النادي الليلي الميت في غرفة الطعام. "كان عليك أخذه إلى الحمام." قال. "حتى يسهل تنظيف المكان." الدماء ستسيل في كل مكان لو كنت اخذته الى الحمام الموجود في الطابق الثاني. الطبيب كان أكثر احترافية وسألني ان كان هناك سائل منوي على جسده أو داخله. صعقني سؤاله، لكنني أجبته نافيا وتلك كانت الحقيقة. قال ان هذا سيجعل الأمور أكثر سهولة. طلب مني أن أساعده في حمل الصبي ونقله إلى سيارته. كان خفيفا، لم أكن أريد النظر نحو رأسه الذي كان يرجع للخلف، فقد كنت مذعورا. اخذه الطبيب إلى المشرحة وقال ان من صالحي عدم ذكر ما حصل لأحد. وكما تلاحظون أنا إلى الآن لم أذكر أسمه. في صباح اليوم التالي حضرت الخادمة لتساعدني وشقيقي في تنظيف المكان. كنت اتحرك ببطء كلما ألقى شقيقي أوامره. وضعت المناديل التي تغطت بالدماء في وعاء مليء بالماء البارد. أيقنت انني لن أستطيع أن أرد دين الطبيب الذي ساعدني ولا لأخي الذي صرت مدينا له من الناحية الأخلاقية على الأقل، هكذا كنت أفكر وانا أرى الماء يتحول إلى اللون الوردي. كنت حزينا من أجل نفسي، فالفتى الذي عشقته قد رحل للأبد. في العام نفسه، التقيت بسيمون. كانت الفتاة المناسبة، من عائلة طيبة. كانت الفتاة التي تلائمني ولذلك تقدمت لخطبتها. لم أرى والدي سعيدا إلى هذه الدرجة، بينما لم تكن أمي متأكدة، لكن لم تكن هناك فرصة للنقاش في ذلك الوقت. موعد الزفاف يقترب بسرعة خيالية، كأنك تقود سيارة دون مكابح. في حفل الزفاف، كانت أعين الضيوف نحو الورود والطعام، بينما كنت أضع خاتم جدتي في يد سيمون الأنيفة، وامام الجميع قطعت عهدا لن أفي به.

كانت كورديليا تنام في سريرنا، في الخليج الذي بيني وبين جيمس. لكنها الآن عجوزة، مثلي. تنزل من السرير لتتبول على السجادة. أنهض واذهب لأحضر منشفة وزجاجة بيرييه. تذهب كورديليا إلى الصالة وتتبول مرة أخرى. جيمس نائم، لذلك أنظف أرضية الصالة واترك الزجاجة هناك. أرتدي ملابسي بهدوء واخرج مع الكلبة. أصبحت كورديليا تخرج إلى ساحة البناية الممنوعة على الكلاب. سيخرج البواب وسيشتكي الجيران. قلت لكورديليا ان تتحرك وسحبتها، لكنها قاومت. بدأت تتحرك ببطء بعد أن قمت بسحبها بقوة. كنت قادرا على حملها لكنني أردتها ان تمشي فهذا من اجل صحتها. على الرصيف المقابل للبوابة وقفت وكأنها تفكر بشيء بعيد. نظراتها كانت ضبابية، قبل ان يخرج منها صوت غريب وتسقط على الأرض. كانت أرجلها تتجه إلى السماء مثل الكلاب الميتة في المسلسلات الكارتونية. نزلت على الأرض ووضعت يدي فوق صدرها، لم أشعر بأي نبض. حاولت تذكر قوانين الإسعاف الأولية. استخدم اصابعك عند اسعافك للأطفال، وإلا ستكسر أضلعهم. كورديليا بحجم طفل، ولذلك وضعت أصابعي على صدرها، لكن كيف أقيس ضغطاتي؟ نبضات قلبي السريعة تدق طبلات اذني، وكورديليا صغيرة، اذن فالايقاع مناسب. بدأت أضغط مع كل نبضة اسمعها في رأسي. أستطيع ان اشعر بنظرات المارة، قال بعضهم إذا كنت احتاج لمساعدة او لطلب سيارة الإسعاف، لكن تركيزي كان مع نبضات قلبي. تذكرت بشكل مفاجئ الصبي الذي مات وهو يسعل. لم أكن قادرا على فعل الأمر ذاته معه لان الدم كان يخرج من رئتيه والأمور كانت خارج السيطرة. اما الآن فأنا أضغط واضغط. زجاج مكسور على الرصيف جرح ركبتي. تخدرت ذراعي مع مرور الوقت وفقدت القدرة على عد ضغطاتي. فكرت إذا كنت قد كسرت أضلع كورديليا. أحدهم قال لي ذات يوم ان الضغط لن يفيد دون قناع للتنفس. قلت لنفسي لو كان بمقدوري ان افتح صدر هذه الصغيرة ومسك قلبها بيدي واضغطه حتى يعود للنبض. ربما كان على أحدهم طلب سيارة اسعاف، لكن ما الذي سيقول قائدها وهو يراني مع حيوان عجوز؟ هل يوفرون هذه الخدمة للحيوانات؟
"لقد مات." قال الشاب اليائس الذي كان يقف خلفي. قلت له انها انثى، أرجلها موجها الى السماء وكل العالم سيعرفها انها ليست ذكرا وهي في هذه الوضعية. لكن نظرة مني على كورديليا جعلتني اظن ان كلام الشاب كان صحيحا.. لقد ماتت. "حسنا، حسنا، لقد ماتت." قال الشاب وهو ينصرف. واصلت الضغط ونظرت إلى ساعتي قبل ان تسعل كورديليا، وتفتح عينيها. كان واضحا انها لم تكن معجبة بوضعيتها فحركت نفسها وجلست. سعلت مرة أخرى وهزت رأسها. رفعت حاجبيها كما لو كانت تقول لي كم نبدو سخيفين ونحن نجلس على الأرض. رفعت نفسي بصعوبة وحملتها متجاهلا نظرات الناس. شعرت بنبضات قلبها تضرب ساعدي. صعدنا بالمصعد الصغير فلم أكن أقوى على استخدام السلالم. في مرآة المصعد رأيت انعكاس وجهي، لم أرى نفسي عجوزا مثلما كنت في تلك اللحظة. كان جيمس مستيقظا عند وصولنا للشقة، كان يحمل زجاجة بيرييه ويرتدي الملابس القطنية البيضاء التي قامت ديزي بكييها. فرك وجهه ومرر أصابعه حول خصل شعره. "لم أعرف أين ذهبت." قال. "في الخارج" رددت بصوت أجش. "حادث آخر؟" الزجاجة الخضراء تبرق أمام القطن الأبيض الذي يرتديه. "هذه الكلبة تقتلني." قلت، ووضعت كورديليا بين يديه. "ماتت، لكنها ليست كذلك الآن." "ماتت؟" لم أجد تفسيرا. جسدي لم يعد قادرا على حملي. "سأذهب لأرتاح." ذهبت إلى غرفة النوم، خلعت ملابسي وتجنبت السير فوق السجادة التي بللتها كورديليا. تسلقت سريري وغطيت نفسي. سعمت خربشة على الباب قبل أن يفتح، ومن ثم صوت خطوات صغيرة. كورديليا صعدت فوق الصندوق الذي وضعه جيمس قرب السرير بعدما عرف انها غير قاردة على القفز مجددا، لحسن الحظ لا يزال يمتلك القليل من الحنان. شعرت بالجسد الصغير يتحرك بجانبي ومن ثم نمنا.

ذهبنا للبيطري بعد أن قام جيمس بأخذ موعد معه. قال الطبيب انها عمياء تقريبا، غير قادرة على السمع ومجنونة. لكنها كانت تحرك ذيلها فرحا، كانت تأكل، قدمت عرضا ترفيهيا له. جيمس سأل الطبيب عن مدى سلامتها بطرق مختلفة، وهنا كانت كلمة السر، هنا كان التلميح. كان يلمح إذا كان الوقت قد حان لقتلها. وهذا ما جعلني غاضبا. لكن البيطري المرح لم يقل شيئا، مدعيا انه لم يفهم اسئلته وقال ان عودتها من الموت كان معجزة، أطلق عليها اسم السيدة لعازر. في طريقنا إلى المنزل كانت كورديليا تلعق يدي تقديرا لموقفي.. كانت تعرف.

في الصباح التالي، غادر جميس مجددا. إلى أمستردام أو دبي، لا أعرف. جاءت ديزي لطبخ الغداء وتنظيف المنزل. قلت لها ما الذي حدث. درسنا تحركات كورديليا معا. كانت تحرك ذيلها لنا، كانت تأكل. لكنها لم تكن قادرة على تحريك رقبتها إلى اليمين. كانت تقوم بدورة كاملة كلما ارادت الالتفات لليمين. لم يقم أحد بطرح الأسئلة على لعازر، وكيف كان شعوره عند خروجه من القبر. ربما لم تكن الأمور جيدة هناك. ربما سقط مرة أخرى ومات مجددا عندما انصرف عنه الجميع. ذهبت ديزي لتنظف البقعة التي بللتها كورديليا وبقيت أفكر بالذي حدث في اليوم التالي لموت الصبي في منزل العائلة. وعن الخادمة التي رأتني وأنا أنظف المناديل. كانت فرنسية بشعر أشيب معقود. لم يكن معتادا رؤيتي أنظف أي شيء في ذلك الوقت. قلت لها انني اسقطت الحساء على الأرض. رمقتني كما كانت تفعل مدرستي ومن ثم انصرفت لتعمل دون ان تقول شيئا.

كانت كورديليا أحيانا تدخل الغرفة الفارغة وتقف هناك لتحدق. تبعتها لأرى ما تراه: الأثاث، الصور المعلقة على الحائط. لكن هل كانت تستطيع ان ترى شيئا؟ كانت تستمع ربما، لصوت جيمس. تقف هناك طويلا، تنتظر لشيء لن يأتي. بدأت أحملها كلما خرجنا وكنت اساعدها لتتبول، كنت اضغط حتى يخرج منها البول كنهر، بينما الناس يحدقون. أحملها عاليا لأجعلها تشعر بالهواء، وأقول في سري، يا إلهي ما الذي سنراه لاحقا؟ الذي رأيناه لاحقا كان الصباح، ومن ثم ثلاثة أشهر أخرى مرت، عندما لم تعد كورديليا قادرة على الوقوف ولا على تحريك ذيلها ولا حتى الاكل. اتصلت بهاتف جيمس المحمول وهو في بلدة أخرى. كان مشغولا، لكن مع مرور الحديث صار ينتبه، حنانه لا يزال موجودا. قال، "حبيبي، ربما حان الوقت."

انتظرت وصول ديزي. أكلمها بالانجليزية، لأنها لا تجيد التحدث بالفرنسية، حتى بعد مرور سنوات عديدة على اقامتها. تعيش مع مجموعة من الاندونيسيين لكن هذا لا يهم. "أريدك أن تذهبي معي إلى البيطري." قلت. رأيت في عينيها رغبة بعدم الذهاب. لكنها بدأت بترتيب حقيبتها الصغيرة. حملت كورديليا وركبنا سيارة أجرة. لا أستطيع القيادة وكورديليا بيدي، وديزي لا تملك رخصة. سائق الأجرة كان يتكلم العربية بهاتفه. ديزي جلست ويديها فوق حقيبتها بينما كورديليا جالسة في حضني.
فكرت بالفتى الذي احببته عندما كنت طفلا، قبل ان يحدث كل شيء، قبل ان أرى النور في عينيه، قبل تفاهمنا، لننسى الامر الان، لنتركه ولا نعود له ابدا.

في العيادة البيطرية، طلبت من ديزي ان تدخل معي الى غرفة الطبيب، لكنها هزت رأسها رافضة. وصل البيطري وهو يحيي كورديليا بمرح وقال "السيدة لعازر!". لكنني لم أكن في حاجة لمزيد من النكات. وضعتها على الطاولة ليفحصها. ضغطت على يدي لأوقف رجفتي. شعرت بنبضات قلبي وتذكر النبيذ الذي سأشربه مع وجبة الغداء. "آه كورديليا" قال الدكتور وهو يمسح بيده على ظهرها. "انت لست خالدة." وقال انه يعتقد ان الوقت قد حان. قالها بالضبط كما قالها جيمس سابقا عندما لمح له بقتلها. طلبت منه ان ينتظر للحظة. ذهبت لغرفة الانتظار حيث كانت تجلس ديزي مع فتاة بشعر بنفسجي وقطعة الماس على انفها. كلب بشعر يشبه الخروف يجلس بجانب الفتاة. رفع رأسه الثقيل نحوي، ليرى ان كنت أشكل تهديدا لها. "ديزي، الطبيب يقول ان الوقت قد حان. هل تأتين معي للداخل؟" رفضت طلبي وعينيها غارقة بالدموع. "لا أستطيع." همست. "لا أستطيع أن أشاهد هذا". الفتاة ذات الشعر البنفجسي قالت بلهجة المانية "الأمر فظيع. كنت هنا قبل أسابيع، مع كلبي العجوز، بكيت لمدة أسبوع." نظرت إلى الفتاة الألمانية التي لا دخل لها في الموضوع. كان واضحا انها قوية، كنت في عمر جدها. لا أريد أن أتكلم عن كلبها الذي قتل في غرفة البيطري. عدت إلى ديزي وقلت لها "أرجوك ادخلي معي." لكنها رفضت مرة أخرى. ديزي هي التي تطبخ لي، وتنظف المنزل. كانت تلبي كل طلباتي، الا هذا الطلب، قالت متضرعة "لا أستطيع."

دخلت غرفة البيطري، رأيت كورديليا على الطاولة. توجه نظرها إلى الفراغ. كان قرار جيمس صائبا عندما أحضرها لمنزلنا، ليعطيني شيئا اهتم به. "تبدو بحالة سيئة." قال البيطري وامرني بالجلوس. الممرضة مررت كوبا من الماء وقالت شيئا لتخفف عني. أفكر بجيمس، بحياتنا معا، بخزانة أحذيته، بملابسه المرمية على الأرض، الكلب هو الحبل الوحيد الذي يربطنا، وها هو الآن ينقطع. قريبا سأكون في غرفة النوم أحدق نحو الفراغ أيضا، ولأستمع لأصوات غير موجودة. "انه قرارك." قال البيطري". وحركت رأسي بإيجاب. "تستطيع أن تمسك بها." قالت الممرضة قبل ان تضع كورديليا بين يدي. ثم وضعت قطعة من القماش تحتها، شيء يشبه حفاظة الأطفال، وفكرت كم سيكون الامر قاسيا. قامت كورديليا بشم يدي، ولم أعد متأكدا من قراري، فمازال بوسعها شم العالم، باستطاعتها ان تحب. لكنني تذكر الصباح الذي لم تعد فيه قادرة على رفع جسدها. تمنيت لو احضرت سيمون معي، زوجتي الوفية، لكنها لا تحب الكلاب.

البيطري يعمل الآن، يضع عصابة حول ساق كورديليا ومن ثم جهز الحقنة. اعتقدت لوهلة انه سيخطأ ويحقن يدي لكنه لم يفعل، ادخلها في الساق النحيلة. انتظرنا لدقيقة ليبدأ المخدر في العمل، بينما كورديليا كانت تتلفت وكأنها تبحث عن شيء ما. أشعر بنبضها وفكرت قد يكون ما كنت افعله غلطة، فقبل ثلاثة أشهر كنت أجلس في الشارع اضغط على صدرها، واليوم أعطي الطبيب الحرية لقتلها. كنت على وشك ان أخبره بذلك، لكنه ظهر وفي يده حقنة أخرى. تنهدت كورديليا وغاص رأسها في حضني. شعرت بثقل جسدها قبل ان ترحل للمكان الخاطئ مرة أخرى. أخذها البيطري، وقامت الممرضة بوضع يدها على كتفي.

في غرفة الانتظار، كانت الفتاة الألمانية تعانق ديزي وتبكي معها. ديزي وجهت نظرها نحوي وهي غارقة بالدموع. أخذت أتساءل، للمرة الأولى هل كانت كورديليا هي الحبل الذي يربطني بديزي أيضا؟ ديزي تستطيع الحصول على عمل آخر في مكان آخر لتعتني بأطفال يملكون المرح التي كانت تمتلكه كورديليا، فالعمل معهم أفضل من ان تعمل لصالح رجل عجوز. أخرجت محفظتي لأدفع تكاليف العيادة، لكن موظف الاستقبال هز رأسه، لفتة طيبة ومتعاطفة. هذا امر جيد على الأقل فهم لا يطلبون منك الدفع. لو كنا نعيش في الريف لغطينا كورديليا ببطانية ودفناها، لكننا لا نملك مكانا لذلك تركناها في العيادة.

إحساس فارغ يسيطر على يدي. في الخارج، انتظرنا سيارة أجرة. رأيت كهلا يمشي، ظهره منحني، يبدو أكبر سنا مني. لا بد انه كان صغيرا في فترة الحرب، لكن في عمر مناسب للقتال، للعمل أو للركض. كنت في حاجة لأن أحمل شيئا. عقلي مشوش فقد قتلت كلبي للتو. وصلت سيارة الأجرة. استدرت نحو ديزي الذي كانت تمسح انفها، وتنظر لشيء ما في الشارع. هناك خصل من الشيب في شعرها. هذه هي المرة الأولى التي اراها خارج المنزل. مسكت ذراعها. "لا تتركيني." قلت. ديزي المصدومة رفعت رأسها عاليا. اللون الأحمر يغطي عينيها. سائق الأجرة قليل الصبر يقف هناك. أعتقد أنني سأقول كل شيء الآن، سأقول كل شيء. فأنا لا أملك المزيد من الوقت. "أرجوك لا تتركيني،" 


الخميس، 15 مايو، 2014

باتي سميث وآلن غينسبرغ: اللقاء الأول - ترجمة علي البدري

كنت في جوع دائم. جسدي يهضم ما أتناوله بسرعة. على عكس روبيرت الذي كان يستطيع الصمود طويلاً والعمل دون طعام. أنا كنت أشعر بأنني سأسقط في حالة إغماء دون تغذية. كنا لا نأكل إلا بعد حصولنا على المال. في ظهيرة يوم ممطر، أردت بشدة الحصول على واحدة من شطائر الجبن والخس، رحت أفتش بين الملابس وعثرت بالضبط على خمسة وخمسون سنتاً، موزعة بين جيب سترتي الرمادية وقعبة من طراز ماياكوفسكي. أخذتهم وتوجهت بسرعة نحو جهاز البيع الآلي.
أدخلت القطع المعدنية في فتحة النقود، لكن الآلة ترفض فتح نافذة الطعام. حاولت مرة أخرى ولكن دون جدوى، وعرفت ان الحظ لم يحالفني بعدما لاحظت ان سعر الشطيرة إرتفع إلى ستة وخمسون سنتاً. سمعت صوتاً يقطع خيبة أملي "هل أستطيع مساعدتك؟" أدرت وجهي نحو الصوت وكان آلن غينسبرغ. لم نلتقي مسبقاً، لكنني كنت أعرف ملامح ذلك الشخص الذي يعتبر واحداً من أهم الشعراء الأمريكيين، "نعم" هززت رأسي موافقة وأنا أحدق بتموجات لحيته الداكنة. قام آلن غينسبرغ بوضع قطعة نقدية إضافية في فم الآلة، وقام أيضاً بشراء القهوة. مشيت خلفه بصمت الى الطاولة ومن ثم قام بالتعريف عن نفسه. كان يتكلم عن والت ويتمان، فقاطعته قائلة بأنني ترعرعت قرب كامدين، ذلك المكان الذي دفن فيه والت ويتمان، فأقترب نحو وجهي وقال:
"هل أنت فتاة؟"
"نعم" وأضفت " هل هذه مشكلة؟"
قال ضاحكاً "أنا أعتذر، لكنني ساعدتك لأنني إعتقدت بأنك صبي وسيم"
أردت أن أستمر في مداعبته وقلت " هل هذا يعني إنني يجب أن أعيد لك الشطيرة؟"
"لا إستمعتي بها، فقد كانت غلطتي"
قال بأنه كان يكتب مرثية لجاك كيرواك الذي توفي منذ فترة بسيطة، "ثلاثة أيام قبل عيد ميلاد آرثر رامبو" قلت.
تصافحنا قبل أن نفترق.

 بعد فترة أصبح آلن غينسبرغ صديقي ومعلمي. كنا نتذكر لقاءنا الأول دائماً، وكان يسألني:

"كيف تصفين ذلك اللقاء؟"
وكنت أجيب:
"سأقول، بأنك أطعمتني عندما كنت جائعة"

الاثنين، 28 أبريل، 2014

ليلة الزجاجات المهشمة


لنضع قلوبنا على الطاولة
ولنبدأ ليلة الزجاجات المهشمة
أنت صياد ماهر
و
أنا الرأس المحنط في جدارك..
أنت
الصمت في ساعة الدعاء
رجائي الذي صددته..
صفعات والدي فوق وجهي،
حظ أمي العاثر
و
غفوة الكتاب
على
صدري



نشرت في جريدة الراي الكويتية الرابط

الأحد، 20 أبريل، 2014

حارس التوابيت لـ ونغوانغ هوانغ - ترجمة علي البدري

حارس التوابيت:  فصل من رواية "الحارس الأحمر الصغير" لـ ونغوانغ هوانغ. ترجمة علي البدري



عندما كنت في التاسعة من عمري، شاركني التابوت غرفتي. جاء به والدي كهدية لجدتي في عيد ميلادها الثالث والسبعين، وسماه "شو مو" وذلك يعني "خشب المعمرين" وهي تسمية غريبة لصندوق سوف تدفن به جدتي.  تم تجريم دفن الأموات هنا بعد أن نجح الحزب الشيوعي في السيطرة على الصين، ولذلك لم أكن قادراً على إخبار أي أحد بأمر التابوت.

عاشت جدتي مع أسرتي في مدينة شيان، وعندما بلغت الثانية والسبعين في عام 1974، أصبحت مهووسة بفكرة أن موتها صار وشيكاً. كانت تحفظ مقولة شعبية قديمة وترددها في ذهنها "سيقوم ملك الموت بعمله، عندما يبلغ المرء الثالثة والسبعين". لم تكن قادرة على إثبات صحة تلك المقولة، لكنها كانت تردد من جيل إلى آخر، ولهذا فهي حقيقية بالنسبة لها. أرادت أن تكون مستعدة، بعد أيام من السنة الجديدة، صارت تزعج أبي بشأن مراسيم الجنازة، أرادت أن تدفن على الطريقة التقليدية، مبينة تمسكها بتلك التقاليد 
ورفضها لأي أقتراح آخر بشأن الدفن.

الحزب الشيوعي فرض حرق جثث الأموات لأسباب إقتصادية، لأن المقابر سوف تحتل نسبة كبيرة من الأراضي التي من الممكن أن تكون مكاناً للمشاريع التنموية. هناك أيضاً أسباب آيديولوجية، فهم يرون أن تقاليد الدفن لها رمزية دينية يرفضها الحزب الشيوعي.

والدي، الذي عمل جاهداً ليصبح مثالاً للعمال وعضواً في الحزب، يعرف بأن دفن جدتي هي من التقاليد التي يرفضها الحزب الحاكم، وقد تضعه بمأزق سياسي، يمحي كل ما قدمه للحزب. نيران الثورة الثقافية كانت قد خمدت، لكنك قد تقع بمشكلة لتمسكك بعادات وتقاليد أجدادك. أتذكر الرحلة التي أقامتها إدارة المدرسة إلى مكان عام لرؤية رجل يعاقب بشكل علني لأنه أقام حفل زفاف لإبنه على التقاليد الصينية القديمة خارج حدود مدينة شيان. الرجل عوقب لأن بعض السكان المحليين قد أبلغوا السلطات بأنه قد قام بتأجير كرسي السيدان الأحمر لحمل العروس.

كنت قائد مجموعة الشباب الشيوعي في المدرسة، وفي مسابقة الغناء السنوية كنا نغني "تسقط فلسفة كونفوشيوس، لنعارض الطقوس القديمة." كنت أبغض التقاليد القديمة ودفن الموتى. أتذكر جيداً عندما كنت في جنازة امرأة مسنة دفنت بطريقة تقليدية في مدينة لم تكن تطبق قوانين الحزب الشيوعي. إرتدى أقارب الميتة ربطات رأس بيضاء، قمصان من الكتان الأبيض، وأحذيتهم مغطاة بقماش أبيض. كانوا يبكون ويندبون. حفيد المرأة المسنة كان يتصدر المسيرة، رافعاً ورقة بيضاء معلقة على سيقان الخيزران، لم أفهم المكتوب على الورقة، لكن والدي قال انها رسالة منهم يتمنون فيها أن تكون في رحلة سلام للعالم الآخر، والنجاح في مرحلة إستنساخ الأرواح.

منافق، هذا ما قد يعتقده رفاقي في المدرسة. أردد أناشيد الحزب الشيوعي هناك، وأمارس طقوس أجدادي في المنزل. الأسوأ انهم سيسخرون مني إذا شاهدوني أرتدي الملابس البيضاء.

حاول والدي في البداية أن يغير رأي جدتي. عندما كنا نجتمع لتناول العشاء، كان يخبرها عن الحاكم الشيوعي الذي فرض حرق الأموات، وكيف ان الناس يطردون من الحزب وكيف تدمرت حياتهم حين مارسوا طقوس الجنازات القديمة. بعد أن عاد والدي من جنازة أحد زملاء العمل في محرقة "سانزهو" قال لها، "لم يكن الأمر بذلك السوء، لأننا نفقد إدراكنا عند موتنا، لن يكون لنا وجود. لماذا نهتم بما قد يحدث لأجسادنا؟" فهزت جدتي المذعورة رأسها "لا أريد العذاب بعد موتي" قالت انها سمعت عن عمال الأفران، وكيف انهم لا يقومون بإفراغها من الرماد بشكل كامل من الداخل بعد كل عملية حرق "عندما يأخذون رمادي من الفرن، كيف ستعرف انه لم يختلط برماد امرأة أخرى؟" قالت ذلك وذهبت لتنظف طاولة الطعام في محاولة منها لإنهاء النقاش.

أمي لم تكن قادرة أن ترى زوجها في محنة كهذه وتصمت. "في أي مكان تريدين أن ندفنك؟ هل رأيت أي مقبرة في هذه المدينة؟" هزت جدتي المنزعجة رأسها: "من قال انني يجب أن أدفن في شيان؟ أريد أن أدفن في هينان بجانب قبر زوجي". فأتسعت أعيننا غير مصدقين ما نسمعه.

مات جدي بعد معاناة مع مرض السل منذ أكثر من أربعين عاماً، ووفقاً لكلام جدتي فقد دفن في موقع جميل قرب النهر الأصفر. تباهت بمساعدة أحد حكماء فلسفة الفينج شوي في إختيار مكان القبر. جدتي كانت تصدق ان دفنها بجانب جدي سيعيد تشكيلنا نحن، وسنتبلل بأمطار بركاتهم. "أنتم لن تقوموا بدفني من أجلي فقط، بل هذا من مصلحة عائلتنا ومستقبلها".

بعدما زاد حديث جدتي حول موتها وإقترابه، زاد إنعزال والدي، لم يعد يتكلم عندما نجتمع حول وجبة العشاء كما كان يفعل سابقاً. أسمعه أحياناً في منتصف الليل يتذمر لأمي من جدتي.

كغيره من الصينيين في تلك الأيام، الأب هو أكثر أعضاء الأسرة حماسة للحزب. كنت أرى كيف كان واثقاً في الإجتماعات العامة، لكنه كان مختلفاً في المنزل. في أحد الأيام قرأت المعلمة مقالة تستنكر الفكرة الكونفوشية في "بر الوالدين"، وقالت: "إذا كان والديك أو أقاربك متورطون في نشاطات ضد الثورة، لا تتردد في الإبلاغ عنهم".
عندما نقلت لوالدي ما قالته المعلمة، قال انها مجرد ترهات إعلامية، "وحده المغفل هو الذي يخون من قام بتربيته ورعايته. هذا ليس شأنهم".

بعد أشهر من التفكير، إتخذ والدي قراره، طلب أن نجتمع حول طاولة الطعام وأعلن، "جدتكم أكثر من ضحى من أجل هذه العائلة، والآن هو دورنا لكي نضحي من أجلها. سنقوم بتوفير الأموال ونرتب الخطة اللازمة لتحقيق أمنيتها عندما تموت. علينا أن نتوخى الحذر، لا تخبروا رفاقكم في المدرسة لما نخطط لفعله، ليكن هذا سرنا".

جدتي مرضت بعد إجتماعنا السري بفترة قصيرة. حرارتها إرتفعت، ولم تسعفها الأدوية التي جاء بها والدي من عيادة عمله، وتحت توصية من أحد زملائه إمتطى والدي دراجته الهوائية وقادها نحو ضواحي المدينة لمقابلة الدكتور زو، الذي كانت له خبرة في الأدوية الشعبية. رغم إيمان والدي بأغلب علوم العالم الغربي، إلا انه لم يكن يثق بالأدوية الغربية. الدكتور زو يعمل كتقني في معمل لتصنيع الجوارب صباحاً، لكنه يمارس مهنته في مجال أدوية الأعشاب الشعبية ليلاً ليزيد من أجره. تم القبض عليه أكثر من مرة، وقد رأيت عدد من اللافتات التي تستنكر أعماله وتدينه في الشوارع وحول المصنع. دكتور زو الآن يقوم بهذا العمل من أجل أصدقائه، لذلك حضر إلى منزلنا وعاين نبضات جدتي، فحص لسانها، وعيناها. قال ان جدتي تعاني من "شانغ هو" وهذا يعني حرارة مرتفعة جداً، مما أدى لتلوث داخلي. خربش على عجل كعادة الأطباء أسماء الأعشاب وأعطى الورقة لوالدي، الذي لم يفهم منها أي شيء. ولأنني لم أذهب للمدرسة في اليوم التالي، أخذت الوصفة إلى محل تفوح منه رائحة الأعشاب للحصول على الأدوية، وشاهدت الجذور والأوراق والأشياء التي لا أعرف أسمائها وهي تؤخذ من الجرار الزجاجية ويتم تكسيرها وخلطها ووضعها في ستة حزم صغيرة.

لست ليال، كان والدي يفرغ ما تحتويه الحزم داخل وعاء من الماء المغلي لساعات فوق موقد الفحم. النتيجة كان عبارة عن عصير أسود يكفي لملء وعاء كامل تبتلعه جدتي وهي تلوي قسمات وجههاً الماً.

المرض قضى على صحة جدتي، لكنه لم يقضي على عزمها، أوصت والدي أن يجهز التابوت، شعرت انها كانت قلقة من ان تموت بلا تابوت مما يجعل والدي يرضخ لضغوط الحزب ويرمي بحثتها في الفرن مباشرة بعد موتها.

بعد ستة أيام، صار والدي يعود باكراً للمنزل ويبقى لفترة قصيرة ومن ثم يخرج مرة أخرى. كان يمضي أمسياته برفقة صديق محترم يدعى "العم لي"، معاً قاموا بدراسة العواقب السياسية المحتمل حدوثها بعد جنازة جدتي. العم لي، مدير مكتب البلدية للصناعات الخفيفة يعرف والدي منذ عشرين عاماً، وكان معجباً بشجاعته. "أمك امرأة ضحت بالكثير، وهذه قد تكون طريقة مناسبة لرد بعض الدين لها". كان مستعداً لمساعدته في حال لم تسر الأمور على ما يرام، لكنه شكك بحدوث أمر خاطئ اذا حصل الدفن بسرية تامة: "عائلتك من طبقة العمال، والدتك كانت خادمة 
فقيرة وغير متعلمة، لذلك قد تفلت من العقاب"





ونغوانغ هوانغ كاتب ومترجم صيني