الثلاثاء، 18 يوليو، 2017

[ترجمة] آلن غينسبرغ عاد لينقذنا - مارك د. شلايفر



 


السابع من اوكتوبر 1955. آلن غينسبرغ يقف امام الجماهير الحاضرة الى غاليري 6 لسماع قصيدته الجديدة (عواء). لورنس فيرلنغيتي، مؤسس وصاحب مكتبة ودار النشر سيتي لايتس - City Lights يعرض على الشاعر نشر القصيدة. بعدها يحصل غينسبرغ على وظيفة كأمين مخزن على ظهر سفينة تبحر نحو المنطقة القطبية الشمالية وذلك حتى يوفر لنفسه مبلغا مناسبا للسفر الى المغرب ومساعدة ويليام بوروز على تحرير وتدقيق رواية (الغداء العاري). على متن تلك السفية قام غنسبرغ ببعض التعديلات على مسودة كتاب (عواء وقصائد أخرى). في الفترة ما بين الامسية التي قامت في غاليري 6 وهذه المقابلة سافر إلى عدة اماكن: قام وزميله غاري سنايدر بالوقوف على جانب الطريق والطلب من الغرباء توصيلهم الى عدة نقاط حتى نجحا بالسفر من سان فرانسيسكو الى سياتل. ومن هناك التقى بصديقه الشاعر غريغوري كورسو وذهبا الى مدينة لوس غاتوس في كاليفورنيا لزيارة نيل كاسدي. قام آلن وكورسو وبيتر اورلوفسكي الذي اصبح لاحقا عشيق غينسبرغ بزيارة جاك كيرواك في مدينة نيو مكسيكو ومن هناك، سافر آلن غينسبرغ وبيتر اورلوفسكي وجاك كيرواك من نيويورك الى طنجة للقاء ويليام بوروز. من المغرب سافر غينسبرغ الى اسبانيا، فرنسا وايطاليا قبل ان يعود مرة اخرى الى باريس لمقابلة غريغوري كورسو، واقناع دار اولمبيا بنشر رواية الغداء العاري لبوروز. من باريس قام آلن غينسبرغ بزيارة امستردام وانجلترا قبل ان يعود الى نيويورك عام 1958. خلال تلك الرحلات صادرت دائرة الجمارك 520 نسخة من كتاب "عواء" بدعوى انه  بذيئ ومبتذل ومخل بالآداب العامة، لكنها عادت وفسحت الكتاب بعد ان رفض النائب العام لولاية سان فرانسيسكو القضية المرفوعة على الكتاب. بعد ذلك تولت الشرطة المحلية زمام الامور وقام ضابط قسم شؤون الاحداث، ويليام هانراهان بالقبض على بائع الكتب شيغيوشي موراو الذي باع نسخة من الكتاب لشرطي متخف ومن ثم رفع شكوى ضد فيرلنغيتي كونه الناشر وصاحب المكتبة، واورد في التقرير ان الكتاب غير مناسب لغير البالغين. تحرك الاتحاد الامريكي للحريات المدنية وباشر الدفاع عن فيرلنغيتي وموراو وحصلا على البراءة حيث رأت المحكمة ان للكتاب قيمة ادبية. وبينما كان الكتاب يحصل على شهرة واسعة، كان غيسنبرغ خارج البلاد يواصل اسفاره حتى منتصف الستينيات. وبسبب تواجده في خارج الولايات المتحدة وعدم توفر وسائل اعلامية كافية، كانت المقابلات التي اجريت معه قليله وقصيرة. التقينا به لأول مرة في نيويورك بعد عودته من باريس.


"لماذا عدت يا آلن؟" قلت.
"لأنقذ أمريكا" أجاب. "ولا اعلم مما"
وما بين سؤال وابتسامة، اجابة وضحكة، واول كأس جعة في الوقت والمكان ما بين الطاولة والارض المغطاة بنشارة الخشب، ضاع رتم الحوار. يصعب على المرء ان يحافظ على رتم الحوار عندما يلتقي بآلن غينسبرغ. جلس آلن غينسبرغ امام طاولة في حانة محلية، مرتديا قميصا ملونا وبنطالا باهتا. اتذكر فترات الراحة التي اخذناها، عندما طلبت كأس جعة مثلا، او عندما قام غينسبرغ وطلب اعواد كبريت من فتيات جلسن بجانبنا. احيانا كنت ادون الملاحظات واحيانا لا. هذا النص ليس نبذة عن الشاعر النيويوركي، بل سلسلة من ردوده وافكاره وجمله. لو كنت انوي الكتابة عن غينسبرغ بدلا عن كتابة ما يقول لكتبت ابتهالا في حقه.




عن باريس:
قضيت ثمانية اشهر في باريس رفقة ويليام بوروز وغريغوري كورسو. شعرية كورسو في قمتها الآن، هو وبوروز (صاحب رواية الغداء العاري، رواية خالدة ستقودكم للجنون) يعيشان هناك، كورسو يكتب قصائد غنية وعظيمة. منذ قصيدته (غاسولين) وهو يوسع المنطقة التي قام غيره من الشعراء بتغطيتها. كما تعرف، انا قريب من الادب، لكن كورسو يستيطع الكتابة عن كرات العث او القنابل الذرية. في باريس، زرنا لوريس فردناند سيلين، كاتب لن تستطيع قراءة اعماله بعد الآن في اوروبا، وذلك لاسباب سياسية. شخص نكد يرتدي ملابس سوداء اللون، مجنون وجميل. عندما وصلنا اليه، ظن اننا صحفيون وصرخ: "الصحافة مرة أخرى!" قبل ان نخبره اننا مجموعة من الشعراء.

عن الاسلوب الغريزي في الكتابة:
تحدث في البداية عن جاك كيرواك: جاك اعظم من يكتب حاليا. يكتب باستمرار، قادر على كتابة مئة كلمة في دقيقة، وفي كل مرة يكتب تزداد مهارته. قادر على تحجيم نسبة التكرار التي ينزعج منها الكُتاب. تعجبني مقارنتك لاسلوبه الغريزي بحالة الانغماس والتركيز الموجودة في فلسفة الزن، لكن اسلوب جاك تم اكتشافه او وصل اليه بشكل فطري وليس منسوخا من فلسفة لاهوتية.
 عن نورمان بودوريتز: (في عدد ربيع عام 1958 لمجلة بارتيسان ريفيو، هاجم نورمان بودوريتز كتاب جيل البيت، وبشكل رئيسي جاك كيرواك والن غينسبرغ، ووصفهم بـ"بوهيميان جاهلان". اتهم كيرواك وغينسبرغ بالعدوانية وانهما يحاربان المفكرين وان تسويقهم لفكرة الكتابة الغريزية دمرت "الحاجز الذي يفصل بين الواقع والادب".) "الرواية بوجهة نظري ليست حالة خيالية لحقيقة خيالية، بل هي تعبير لما يحس به الكاتب. بودوريتز لا يكتب النثر، لا يعرف كيف يكتب النثر، وهو غير مهتم في المشاكل التقنية للنثر او للشعر. هجومه على طريقة كيرواك التلقائية في الكتابة تفضح جهله في التفريق بين الكلمات والايقاع الشعري وبين الكتابة وفن الالقاء. الجزء الذي يتحدث فيه عن كوننا نحارب المفكرين يعبر عن تكبره. تلقينا ذات التعليم، وذهبنا الى نفس المدارس ونعرف ان هناك نوعان من (المثقفين). بودوريتز شخص غير متصل بأدب القرن العشرين، يكتب لقراء يفكرون كما لو كانوا من القرن التاسع عشر. الآن، نملك ادب يعبر عن الكُتاب شخصيا: بروست، ولف، فوكنر، جويس. مشكلة بودوريتز انه يتباهى بعقله السمين والتافه. 
عن نورمان ميلر: "قرأت له (الزنجي الابيض) نص يحمل في طياته لمسة روحانية وهي المقالة الوحيدة الجيدة التي اصطدمت بها. اود الحديث معه. سيعجبني ان علمت انه ميال للشعر النقي، وان يكون شاعرا ملائكيا. في المقالة يظهر ان لديه ولع بالاولاد الصغار حيث يقول: "قابلت عدد كبير من الاولاد اصحاب الجنح. عملت ما بوسعي حتى ابقى معهم الى الابد"
 عن شعراء اميركا: هناك حركة شعرية نهضوية تحدث الآن. سأعطيك قائمة بـ 20 شاعرا اميركيا ارى انهم الافضل. كما تعرف، لم تكن هناك اي قائمة للشعراء الثائرون. فهم قاموا بنشر اعمالهم على نطاق ضيق، لأن عملية النشر في اميركا عبارة عن فخ: جاك كيرواك، نعم، كيرواك شاعر. غريغوري كورسو، آلن غينسبرغ، ويليام بوروز. كنا معا في سان فرانسيسكو. غاري سنايدر وفيل ويلان، ايضا في سان فرانسيسكو، كلاهما الآن يقودان حركة لفلسفة الزن هناك. روبيرت كريلي، يكتب قصائد قصيرة ستعجبك. تشارلز اولسن، دينيس ليرتوف وادوارد مارشال. جماعة كلية بلاك ماونتن وهم فرانك اوهارا وكينيث كوتش. الشاعر والرسام النيويوركي جون اشبري. هناك بريسكي من شيكاغو. جون واينر، الذي ساهم في انشاء ونشر المجلة الادبية Measure. بول بلاكبيرن وجويل اوبنهايمر، ايضا من جماعة بلاك ماونتن. كتابات روبيرت لويل الحديثة، ستيوارت بيركوف، مايك ماكلور والعجوز روبيرت دونكن. هناك المزيد مثل ريموند بريمزر في بوردينتاون ورون لوينسون في لوس انجلوس. ذاكرتي لا تسعغني، وعلي ان اعتذر للمئات من الملائكة المجهولين الذين لم اذكرهم. 
"اخبرت المذيع في محطة الراديو انني احب تدخين الماريجوانا، وضع يده على لوحة التحكم فقلت: لا تضغط على الزر، وتقطع حديثي، اذا فعلت سيفهم جمهورك لماذا قمت بذلك على اية حال. ولذلك لم يفعل اي شيء. جزء من قصيدة عواء كتبت تحت تأثير المخدر."

 لا اتذكر ما تبقى من لقائي معه، أو لنقل انني اتذكر لكنني سأقف هنا. هذا النص ما هو الا مجموعة خواطر عن آلن غينسبرغ، ليس نصا على الملائكة او القديسين او عن سالينجر او كتاب الطريق الى الحج - The Way of the Pilgrim. أعجز عن محاكاتك يا آلن، أو وصفك، أو أن أختصرك في جملة أو اثنتين. كل ما بوسعي فعله هو تدوين انصاتي لك ومحاولة استيعاب ما تبقى مما تقول، لأنك الوحيد ممن اعرف، القادر على الوصول الى الدارما وهو جالس على كرسي طبيب الأسنان.

  فيلج فويس، 15 اوكتوبر 1958

الأحد، 16 يوليو، 2017

[ترجمة] مانفيستو: جمعية لتقطيع أوصال الرجال - فاليري سولاناس (1)




الحياة في أفضل احوالها في هذا المجتمع عبارة عن ضجر مطلق، وكل جانب من جوانب هذا المجتمع لم يبنى من أجل المرأة. كل ما تبقى للنساء صاحبات الفكر، المستقلات والجامحات فعله هو نبذ الحكومات، واقصاء النظام المالي، وتأسيس نظام يستعيض بالآلة بشكل كامل وتدمير الجنس الذكري. فبمقدورنا الآن التكاثر دون مساعدة الذكور (وبشكل أدق، الإناث) وإنتاج الإناث فقط. علينا البدء بهذه العملية بشكل عاجل.

الذكورة حادثة بيولوجية: كروموسوم الذكورة (Y) عبارة عن كروموسوم انوثةX) ) غير مكتمل، هذا كل شيء. مجموعة ناقصة من الكروموزومات. في عبارة أخرى، الذكر عبارة عن انثى غير مكتملة، عبارة عن اجهاض يسير على الأرض، عملية اجهاض حدثت في مرحلة تكون الجينات. الذكورة هي ان تكون عاجزا، محدود العاطفة، الذكورة مرض النقصان، والذكر مشلول عاطفيا. الذكر أناني بشكل كامل، عالق في فخ ذكوريته، عاجز عن التعاطف والتواصل مع غيره. عاجز عن الحب، وتكوين الصداقات، فاقد للحنان. هو كتلة منزوية بشكل كلي، عاجز عن التآلف مع أي أحد. يتعاطى بشكل حسي لا وجداني، وفطنته أداة لخدمة رغباته واحتياجاته. لا يستطيع ان يتعاطف او يتواصل بشكل ذهني. لا شيء يعنيه غير الاحاسيس الجسدية. هو نصف ميت، جسد لا يستجيب للعلاج، لا يعطي ولا يستقبل المرح او السعادة، وبناء على هذا: هو وفي أفضل احواله عبارة عن ضجر صاخب، فرقعة لا تضر، فمن لا يملك القدرة على استيعاب غيره لن يكون فاتنا. الذكر عالق في منطقة تتوسط البشر والقرود، بل هو أسوأ بكثير من القرود، حيث انه وعلى عكس القرود، يحمل مشاعرا سلبية، مثل الكراهية، والغيرة والذل والبغض والذنب والعار والشك وأكثر. الذكر يعلم حقيقته. ومع انه كائن جسدي بالكامل، الا انه غير صالح لمهام الفحولة. وبغض النظر عن الفعالية الميكانيكية التي يتملكها البعض من الرجال، الا انهم أولا: يفتقدون حس الامتاع واللذة، بل ان مشاعر الذنب والخزي والخوف وعدم الأمان تلتهمهم، وهي مشاعر مغروسة في طبيعتهم الذكرية، وكل ما تستطيع تمارين التثقيف الفكري فعله هو تقليل حدتها لا أكثر. ثانيا: المشاعر الجسدية التي يبلغها محدودة ولا تكفي. ثالثا: هو غير متعاطف مع شريكه، مهووس بما يفعله، حيث تتحول العملية الى أداء يشبه سباكة المواسير وانابيب المياه. تشبيه الرجل بالحيوان سيكون بمثابة ثناء له، هو مجرد آلة، قضيب صناعي سائر. يقال ان الرجال يستغلون النساء، ما نوع الاستغلال؟ بالطبع استغلال غير ممتع. الذكر مهووس بعملية الإيلاج، وهو مستعد للسباحة في نهر من المخاط، والغرق حتى انفه في وحل من القيء إذا عرف ان في الضفة الأخرى مهبلا ودودا ينتظره. سيضاجع امرأة يبغضها، أي عفريتة شمطاء بأنياب وأكثر. لماذا؟ لن تكون الإجابة في انه احتاج لتحرير نفسه من التوتر الجسدي، لأن الاستمناء قادر على توفير ذلك النوع من التحرر. ولن تكون الإجابة لإرضاء غروره، فهذا لا يفسر مضاجعته للجثث والأطفال.
كونه انثى غير مكتملة، الذكر يقضي حياته في محاولة لإكمال نفسه، ليصبح أنثى، يسعى باستمرار للتقرب منها وزعمه بامتلاك كل خصائصها مثل قوة العاطفة والاستقلالية، والعزيمة، والديناميكية، والقدرة على اتخاذ القرارات، والهدوء، والعقلانية، والإصرار والمصداقية، والشجاعة، والأمانة، والهمة، والحماسة، وعمق الشخصية، إلخ. ويرمي عليها كل سمات الذكور: التفاهة والغرور، والحقارة، الخ. ولكن لا بد من الاعتراف ان للذكر مهارة مهمة واحدة يتفوق فيها على الانثى وهي: مهارة التحدث مع العامة، حيث استطاع من خلالها ان يقوم بعمل جبار وإقناع الملايين من النساء ان الرجال نساء، وان النساء رجال.
لا تحسد المرأة الرجل على قضيته، بينما الرجل يحسدها على مهبلها. عندما يعترف الرجل بسلبيته ويبدأ بتعريف نفسه كامرأة (أوضح هنا ان الذكور مثل الاناث ايضا، يعتقدون الرجال نساء، والنساء رجال)، ويصبح متحولا فيبدأ بفقدان الرغبة بالايلاج ويقدم نفسه كـ دراغ كوين – Drag queen، ويبتر قضيبه، فما الإيلاج بالنسبة للرجل سوى عملية دفاعية ضد رغبته في ان يصبح انثى. الذكر مسؤول عن:

الحروب: ردة فعل الذكر الطبيعية تجاه عدم كونه انثى هو حمل "سلاحه الكبير" الخامل، حيث انه قادر على حمله لمرات قليلة ومعدودة ليبرهن للعالم اجمع انه (رجل). ولكونه فاقد للرأفة والعطف، يبدأ عملية اثبات رجولته بتشويه وتعذيب حياة عدد لا نهائي من البشر، ومن بينها حياته نفسها، حياته عديمة الجدوى، حيث يفضل القتال حتى الموت على ان يعيش لخمسون سنة إضافية.

اللطف، الدماثة، والوقار:
يعلم كل رجل في قرارة نفسه انه قطعة براز بلا قيمة. محملا بفطرة بهيمية يخجل منها في اعماقه. لا يود التعبير عن نفسه امام الآخرين بل يخبئ عنهم طبيعته البدنية، وانانيته ومشاعر الكراهية التي يحملها تجاه غيره من الرجال، وأيضا يخبئ نفسه من ذات المشاعر التي يحملها غيره من الرجال تجاهه، فالتركيبة الخشنة لنظامه العصبي تستفزها أصغر صور المشاعر والأحاسيس. الذكر يسعى لفرض تشريع "اجتماعي" يضمن تقبل سطحية تامة لا تتأثر بشعور او رأي مزعج. الذكر يستخدم مصطلحات مثل: المضاجعة، الجماع، علاقة (العلاقات الجنسية بالنسبة للرجال عبارة عن حشو زائد) يكسو نفسه بهذا الثوب الفضفاض من الكلمات المنمقة: مثل شامبانزي في بزة رسمية.  


المال، الزواج، الدعارة، العمل وتعطيل فكرة انشاء مجتمع يعتمد على الآلة:
لا يوجد أي سبب إنساني لوجود المال، أو لأن يعمل أي شخص لأكثر من ساعتين أو ثلاث كل أسبوع. كل الاعمال غير الإبداعية (وهو بالضبط ما نقوم بفعله الآن) كان بمقدورنا ومنذ زمن طويل توكيل الآلة للقيام بها، وستحصل كل امرأة في مجتمع يخلو من المال على ما تريده. لكن هناك أسباب لا إنسانية، أسباب ذكورية للإبقاء على النظام المالي.

الخميس، 19 يناير، 2017

أضع دائما مهبلي - آيلين مايلز [قصيدة مترجمة]


أضع دائما مهبلي
في وسط شجرتين
مثل شلال
مثل بوابة إلى الله
مثل سرب طير
أضع دائما فرج عشيقتي
على ذروة موجة
مثل علم
أعلن مبايعتي له. هذا وطني
هنا، عندما نكون وحدنا
في مكان عام.
مهبل عشيقتي
شارة شرطة
هراوة
خوذة
وجه ظبي
حفنة أزهار
شلال
نهر من الدماء
إنجيل
إعصار
متنبئ
مهبل عشيقتي
صيحة حرب

صلاة

وجبة غداء
ثري
سعيد
يظهر في التلفاز
ذا حس فكاهي
له مهنة
وكوب قهوة
يذهب للعمل
يتأمل
دائما وحده
يعرف وجهي
يعرف لساني
يعرف يدي
هو المنبه
صاحب عادات سيئة
مؤمن بأفكاره


اضع دائما مهبلي

وسط شجرتين
مثل شلال
قطعة حلي
أرتديها على صدري
مثل شارة شرطة في أمريكا
حتى نكون انا وعشيقتي
في أمان
آيلين مايلز، شاعرة أمريكية

السبت، 27 فبراير، 2016

ترجمة: عندما التقى الن غينسبرغ ببيرني ساندرز - آلان ام. جالون

  
متى التقى الن غينسبرغ وبيرني ساندرز للمرة الأولى؟ ماذا كانت ظروف تلك المقابلة؟ يبدو ان حتى المقربين من ساندرز وغينسبرغ لا يتفقون على تاريخ اللقاء الذي تحدثت عنه صحيفة فوروورد في مقالة نشرتها على موقعها الالكترني. عادت الاسئلة لتطرح مرة اخرى بعد ان انتشرت صورة على الانترنت تجمع الشاعر صاحب التوجهات الاشتراكية مع عمدة ولاية فيرمونت اليساري في مكتبه. الصورة التي اثارت بعض التساؤلات عن اللقاء، التقطتها المصورة فيليس سيغورا في سنة 1983 والتي كانت تعمل حينها كمصورة مستقلة لصالح مجلة يوغا جورنال. كانت وظيفتها في ذلك الوقت هو تتبع آلن غينسبرغ في جولة لقراءة الشعر في فيرمونت. الصورة تظهر ساندرز متحمسا بينما  يظهر غينسبرغ اكثر راحة مرتديا ثيابا ذات طابع رسمي، ويبدو ان النقاش كان يدور حول موضوع مهم. السؤال هنا، ما الذي ادى لأن يتلقيا؟ ”لا أتذكر ما الذي كانا يتناقشان حوله“ قالت سيغورا لمجلة فوروورد، من منزلها في شمال نيويورك. ”ليتني استطيع ان اتذكر النقاش. اتذكر ان الموسيقي ستيفن تايلر كان في نفس الغرفة“ 
ستيفن اكس تايلر، عازف غيتار وصاحب تعاونات موسيقية متعددة رافق الن غينسبرغ لفترة طويلة ما بين عام 1976 و 1996. تم التواصل معه في بروكلين، قال انه يتذكر، واضاف ان النقاش كان وديا ولطيفا لكن الزمن محى من ذاكرته ما دار في ذلك الحوار. لاحقا قال تايلر ان يتذكر انهما التقيا مرة أخرى في مكان عام وبدا ان ساندرز لم يكن راضيا في تلك المرة. اضاف ان اللقاء قد حدث ولربما في الجولة التي قام بها مع غيسنرغ عام 1983 لكن لا يمكنه التأكيد على ذلك. سيغورا قالت ان اللقاء الذي حدث في مكان عام لم يحدث في تلك السنة ”هذا لم يحدث، لانني رافقت الن في تلك الجولة“. تايلر أضاف ان في تلك الزيارة إلى بيرلنغتون قام ساندرز بتقديم الشاعر للجمهور قبل ان يقوم الأخير بقراءة قصائده التي رافقها عزف تايلر على آلة الجيتار. ”الذي حدث، اننا قمنا بهذا العرض داخل بناية تمتلكها بلدية بيرلنغتون.. وساندرز حضر لتقديم الن“ يقول ان ساندرز كان يجلس في الصف الأول. ”بيرني كان فخورا بتقديم الن لكن كانت للأخيرعادة وهي قراءة قصائده الجديدة امام الجماهير قبل نشرها، ولسوء حظ ساندرز في ذلك اليوم كانت القصيدة عن الجنس الشرجي. "كانت لديه هذه النزعة الفاحشة وحب الحديث بشكل بذيء أمام العامة. اسلوب متبع في النشاط المساند للمثلية الجنسية وهو ايضا ما قام به" القصيدة كانت بعنوان ”ماذا انت بفاعل؟“ وقد نشرت في النسخة الأخيرة من مجموعته الشعرية. ”نهض ساندرز من مقعده بينما كان غينسبرغ منهمكا بقراءة القصيدة، ومن ثم ادار ظهره وغادر المكان“ يضيف تايلر، "قلت لنفسي: يا له من موقف سيء لرجل سياسي، يا الهي هذا الشخص اليساري له همومه الخاصة وفوق ذلك كان يجلس هنا يشاهد الن غينسبرغ يقرأ قصيدة عن الجنس الشرجي. لم يكن من المفترض ان يقوم الن بهذا. كان عليه ان يكون أكثر حرصا  لكن الحماس كان قد اخذه حين أدى قراءة القصيدة، كان مؤديا بارعا..“  
قلت لتايلر ان ساندرز ظهر في الصورة التي التقطت عام 1983 كشاعر أكثر منه كسياسي بينما غينسبرغ - الشاعر الذي كان يكتب قصائد قابلة للانفجار- ظهر 
كعمدة لمدينة صغيرة وهو يرتدي باناقة معطفا وربطة عنق. 
“اوه، اشترى تلك الثياب من محلات جيش الخلاص، كل ثيابه اشتراها من هناك“ 

القائمون على حملة ساندرز الانتخابية لم يجيبوا على طلبنا بالتعليق على الصورة او الحادثة التي ذكرها تايلر. كان للمتمردان، غينسبرغ وساندرز تواصل على مدى السنين. الشاعر زار بيرلنغتون عدة مرات من بينها الزيارة في 1986، عندما كتب قصيدة بعنوان ” ثلوج بيرلنغتون“ التي مدح فيها فضائل وقيم الاشتراكية وقام بالقراءة في مكتبة محلية صغيرة. غينسبرغ سافر الى فيرمونت عدة مرات للبقاء مع مدرسه البوذي ”تشوغيام ترونغبا“ في المركز البوذي الذي كان يبعد حوالي نصف ساعة من بيرلغنتون. المصورة سيغورا التقطت له عدة صور اخرى هناك وفي اماكن اخرى خلال جولة 1983. كانت قد تعرفت عليه في سبعينيات القرن الماضي عندما عرفها الشاعر غريغوري كورسو على الن غينسبرغ. قالت ان الظهور الاعلامي لبيرني ساندرز مؤخرا اعادها للنبش في ملفاتها وقادها ذلك الى العثور على الصورة. 
  



الخميس، 7 أغسطس، 2014

السيدة لعازر - مايلي ميلوي. ترجمة علي البدري



منذ سنوات وبعد تقاعدي من عملي في المصرف، قام جيمس بإحضار كلب صغير من نوع تيريير إلى شقتنا في باريس. قلت له انني لا اود الاحتفاظ به. نيته كانت ان انشغل مع الكلب في وقت فراغي، لكن من يريد الحصول على كلب؟ ربما في أحد الأيام تستيقظ من نومك وتقول، "في خاطري أن أجمع خمسمائة قطعة من الغائط." حسنا، لدي كائن سيقوم بهذا من أجلك. وبالنسبة لي، أرى انه من السخيف ان يحصل أي رجل على كلب بهذا الحجم. "أرجوك" قال جيمس. "لنرى كيف ستسير الأمور." فكرت بالأمر، كلبة، أنثى وشقراء وحجمها ليس أكبر من حجم القطط. شعرها كان يغطي عينيها، ولذلك كانت ترفع حاجبيها دائماً. جلست، وكأن تصرفها هذا سيؤثر على قراري. جميس رجل انجليزي واراد ان يسميها كورديليا، ليس من أجل تلك الشخصية في مسرحية الملك لير لشكسبير، بل على اسم رواية انجليزية أخرى. لم أكن سأختار هذا الاسم، لكن الأمر لم يستحق عناء الجدال. قام بترتيب حلبة من الدمى، عقدة من القماش، كرة وفراش دائري، ليبين لي كيف ستكون الأمور ممتعة. كنت مستعدا لنباحها لكنها لم تنبح. قامت بشم الدمى والفراش وانتظرت قراري.

في اليوم التالي، سافر جيمس إلى البرازيل أو الأرجنتين. وبقيت وحيدا مع الكلبة. كان يعمل في الاستيراد ولذلك فهو كثير السفر. أعتقد ان كورديليا عرفت منذ بداية الأمر انها لا تستطيع الاعتماد عليه، ولهذا كانت تنتظر أوامري. أخذتها للخارج لتفرغ معدتها ومن ثم ذهبنا نحو البوابة ومنها إلى الشارع. تمشينا في شوارع باريس. ذهبنا إلى غابة بولونيا، وهناك رأيت نسرا يحلق بشكل دائري وانظاره نحو كورديليا، كانت وجبة خفيفة بالنسبة له. "لا تفكر حتى بالأمر." قلت للنسر. الناس الذين كانوا يمرون بجانبي سابقاً ولا يقتربون، أصبحوا الآن يأتون للحديث معي واللعب مع كورديليا وهي سمحت لهم بذلك. كانت ديزي تعد وجبة الغداء عند وصولنا للمنزل. ديزي نزلت على الأرض لتفرك اذني كورديليا وهي تبكي سعيدة. ديزي من اندونيسيا، خلوقة جدا، عملت في شقتنا لسنين، لكنني لم أرها تبكي ابدا. ضحكت ديزي عندما حيتها كورديليا بلعقة على الوجه. انصرفت لأقرا الصحف قبل ان تأتي كورديليا لتجلس في حضني. في البداية، اعتقدت انها كانت لعبة من ألاعيبها حتى تظفر بدعمي.

كورديليا اختارتني لأنني اوفر لها الطعام واحميها من ملاحقة الذئاب والنسور. لكن لاحقا، تطورت هذه العلاقة. كنا نخرج كل يوم واجعلها تطارد الحمام وشم بول الكلاب قرب الأشجار ومن ثم نعود للشقة لنقرأ الصحف. أحيانا لا أفهم نظراتها، وفي أحيان أخرى كانت نظراتها عبارة عن أسئلة مفهومة. الجدال بيني وبينها كان صامتا، مثل "لا أريد لهذا الطوق ان يكون حول رقبتي" وهذا جدال يسهل حله. كان شعرها يحتاج لبعض الترتيب، لذلك قمت بإحضار امرأة متخصصة قامت بوضع شريط زهري حول اذني كورديليا. كانت تكره هذا الشريط وكانت لها عزة نفس أكبر من ان تربط بشريط. قلت للمرأة ان تتوقف. هناك تفاهم يولد بينك وبين الحيوان الذي يحدق بك طول الوقت، أعتقد انه يتحول لشيء يشبه الحب.

لم أكن أتصور أن أصل إلى هذا العمر. لم أصدق انني أصبحت شخصا عتيقا. أوصاني الطبيب بالابتعاد عن شرب النبيذ مع الغداء، وذلك من أجل سلامة قلبي. لكن ما قيمة الحياة ان لم تكن قادرا على شرب النبيذ؟ إذا كنت في مثل سني، ستصدق الفكرة التي تقول ان الألمان كانوا سيطلقون رصاصة على رأسك قبل أن تمارس الجنس مع شخص آخر. جميس في عز شبابه، أصغر مني بكثير. إذا كنت الشخص الأكبر في علاقة ما، فأن الأمور تسير بشكل جيد في البداية فكلاكما متساويان. هو يملك الوسامة والشباب، وانت تملك المال والخبرة. تأخذه معك إلى بورتوفينو، إلى بيارتيز وإلى كابري. لكن السنوات تمضي ويبدأ طبيبك بالقلق على سلامة قلبك، وعلى مفاصلك التي لم تعد صالحة. ستتجنب النظر في المرآة وأنت تستحم بينما حبيبك لا يزال يمتلك قوته وشبابه.

أحيانا، تزورني طليقتي سيمون لتناول الغداء ولنتكلم بشؤون أولادنا، الذين كبروا وصار لديهم أولادهم. أحدهم يعيش في نيويورك والآخر في زيورخ، كلاهما يعمل في مجال البنوك. يعرفان جيمس لكنهما لا يحبانه. أولادي يتصفون بالجدية بينما جيمس شخص مرح. اولادهم.. أحفادي يحبونه ويعتبرونه عما لهم. هو في عمر مناسب ولديه القدرة على اللعب معهم بطريقة لا يفهمها الكبار. سيمون تتقبله، وهذا بالنسبة لي امر رائع. سيمون تبدو كما كانت، ولو انها تعارضني وتقول انني اراها كما كانت لأنني لم أكن انتبه لها، لكن في الحقيقة أنا أنتبه: هي امرأة أنيقة، من كل الزوايا، تزين يدها النحيلة بسوار ذهبي. هي تفهم ماذا يعني ان تكون عجوزاً، ولذلك فهي مرتاحة. تأتي ديزي لتنظف الطاولة بعد رحيلها وأخرج لأتمشى مع كورديليا.

في لحظة ما، أيقنت ان جيمس لا يأتي إلى باريس إلا لحضور حفلة مهمة لرجال الأعمال. لكل شخص موهبة، ولا أحد ينافس جيمس في حضوره أثناء الحفلات المهمة. رجل وسيم، شعره البني مصفف بطريقة جيدة، جسد رشيق وبدلة أنيقة. يملك ابتسامة رائعة، يغمرك بدفئه وترحيبه، الناس يشعرون بأهميتهم معه. له مواهب عديدة لكنها لا تضاهي ما ذكرت. يريدون العمل معه ليحصلوا على اهتمامه. لا يبحث عن لفت الأنظار، فهو يحصل على كل شيء. لكن كل هذا يختفي عند وصولنا للمنزل. لا يعطيني قليلا من دفء ابتسامته واهتمامها. يقول أشياء قليلة عن الحفلة بلكنة انجليزية وهو مشغول بهاتفه. يخلع ملابسه الثمينة دون اهتمام ويتركها على الأثاث مثل الأطفال. يقول ان ديزي سترتبهم، أقول له ان ذلك ليس من ضمن اعمالها، فيرد "بالطبع هذا ضمن اعمالها المنزلية." يهتم فقط لأحذيته، يضعهم في خزانة خشبية، ومن ثم يذهب إلى الحمام ويغلق الباب خلفه.

أتذكر الصبي الذي أحببته منذ زمنين. كنت ألعب ودخلت منزل عائلتي وانا أركض ورأيته هناك يقف مع والدته. كان يحمل نوراً في عينيه. كأن مضيئا حتى في داخل الغرفة المظلمة. كنت صغيرا جدا، وكنت في صدمة، كانت اللحظة التي عرفت فيها ميولي. بعدها جاءت الحرب، وبينما كان الالمان يحتلون باريس من جهة، كنا نغادرها من جهة أخرى. أرسلتني عائلتي إلى إنجلترا للبقاء مع اقربائي، ولم أعلم ما الذي حل بالفتى. وجدته يجلس في الخلف عندما كنت في نادي الليلي بعد الحرب، لم يكن يحب الحديث عن تلك الفترة. فالوسامة التي كانت تساعده سابقا، لم تساعده في فترة الاحتلال الألماني. كانت نية الالمان قتله او ارساله ليبني معتقلاتهم، وهما بالمناسبة الأمر ذاته، لا أعلم كيف استطاع الهروب. قال انه كان يود الانضمام للمقاومة الفرنسية لكنهم رفضوه بسبب ضعفه. كان يستطيع ان يوفر لهم معلومات مهمة لكنهم لم يثقوا به. تم اعتقاله في نهاية الحرب عندما كان الجيش الألماني في حالة من الفزع وببساطة تركوه بالسجن دون طعام. عندما التقيت به في النادي الليلي كان يعاني من السل، لكن هذا لم يمحي وسامته. كنت أرغب به بشدة.

شقيقي الأكبر ترك المنزل وذهب لعيش في شقة، لكنني بقيت في منزل العائلة. الفتى زارني عندما كان المنزل خاليا. أتذكر كيف كان الفتى ينير السجادة واثاث المنزل والغبار الذي كان يطفو في الهواء. في أحد الأيام كنا نتناول العشاء قرب الطاولة الطويلة في منزل العائلة عندما بدأ في السعال. صوت السعال المستمر كان رطبا ومخيفا. المناديل غرفت بالدم، ولون بنفسجي غزا وجهه. هناك شيء لم يكن على ما يرام، الكثير من الدم، كان يسعل ويحتضر هناك في غرفة الطعام. لم أعرف كيف أتصرف، كيف أوقف هذا النزيف. اعتقدت انه سيفتح عيناه ويبتسم ليقول "لا، لا تقلق.. أنا بخير." لكن هذا لم يحدث. سمعت هديرا وكأن البحر يعيش داخل اذني. بيد مرتعشة أمسكت بالهاتف واتصلت بالطبيب ومن ثم بشقيقي. عند وصلوهم كان أخي غاضبا، تركيزه ينصب على فضيحة فتى النادي الليلي الميت في غرفة الطعام. "كان عليك أخذه إلى الحمام." قال. "حتى يسهل تنظيف المكان." الدماء ستسيل في كل مكان لو كنت اخذته الى الحمام الموجود في الطابق الثاني. الطبيب كان أكثر احترافية وسألني ان كان هناك سائل منوي على جسده أو داخله. صعقني سؤاله، لكنني أجبته نافيا وتلك كانت الحقيقة. قال ان هذا سيجعل الأمور أكثر سهولة. طلب مني أن أساعده في حمل الصبي ونقله إلى سيارته. كان خفيفا، لم أكن أريد النظر نحو رأسه الذي كان يرجع للخلف، فقد كنت مذعورا. اخذه الطبيب إلى المشرحة وقال ان من صالحي عدم ذكر ما حصل لأحد. وكما تلاحظون أنا إلى الآن لم أذكر أسمه. في صباح اليوم التالي حضرت الخادمة لتساعدني وشقيقي في تنظيف المكان. كنت اتحرك ببطء كلما ألقى شقيقي أوامره. وضعت المناديل التي تغطت بالدماء في وعاء مليء بالماء البارد. أيقنت انني لن أستطيع أن أرد دين الطبيب الذي ساعدني ولا لأخي الذي صرت مدينا له من الناحية الأخلاقية على الأقل، هكذا كنت أفكر وانا أرى الماء يتحول إلى اللون الوردي. كنت حزينا من أجل نفسي، فالفتى الذي عشقته قد رحل للأبد. في العام نفسه، التقيت بسيمون. كانت الفتاة المناسبة، من عائلة طيبة. كانت الفتاة التي تلائمني ولذلك تقدمت لخطبتها. لم أرى والدي سعيدا إلى هذه الدرجة، بينما لم تكن أمي متأكدة، لكن لم تكن هناك فرصة للنقاش في ذلك الوقت. موعد الزفاف يقترب بسرعة خيالية، كأنك تقود سيارة دون مكابح. في حفل الزفاف، كانت أعين الضيوف نحو الورود والطعام، بينما كنت أضع خاتم جدتي في يد سيمون الأنيفة، وامام الجميع قطعت عهدا لن أفي به.

كانت كورديليا تنام في سريرنا، في الخليج الذي بيني وبين جيمس. لكنها الآن عجوزة، مثلي. تنزل من السرير لتتبول على السجادة. أنهض واذهب لأحضر منشفة وزجاجة بيرييه. تذهب كورديليا إلى الصالة وتتبول مرة أخرى. جيمس نائم، لذلك أنظف أرضية الصالة واترك الزجاجة هناك. أرتدي ملابسي بهدوء واخرج مع الكلبة. أصبحت كورديليا تخرج إلى ساحة البناية الممنوعة على الكلاب. سيخرج البواب وسيشتكي الجيران. قلت لكورديليا ان تتحرك وسحبتها، لكنها قاومت. بدأت تتحرك ببطء بعد أن قمت بسحبها بقوة. كنت قادرا على حملها لكنني أردتها ان تمشي فهذا من اجل صحتها. على الرصيف المقابل للبوابة وقفت وكأنها تفكر بشيء بعيد. نظراتها كانت ضبابية، قبل ان يخرج منها صوت غريب وتسقط على الأرض. كانت أرجلها تتجه إلى السماء مثل الكلاب الميتة في المسلسلات الكارتونية. نزلت على الأرض ووضعت يدي فوق صدرها، لم أشعر بأي نبض. حاولت تذكر قوانين الإسعاف الأولية. استخدم اصابعك عند اسعافك للأطفال، وإلا ستكسر أضلعهم. كورديليا بحجم طفل، ولذلك وضعت أصابعي على صدرها، لكن كيف أقيس ضغطاتي؟ نبضات قلبي السريعة تدق طبلات اذني، وكورديليا صغيرة، اذن فالايقاع مناسب. بدأت أضغط مع كل نبضة اسمعها في رأسي. أستطيع ان اشعر بنظرات المارة، قال بعضهم إذا كنت احتاج لمساعدة او لطلب سيارة الإسعاف، لكن تركيزي كان مع نبضات قلبي. تذكرت بشكل مفاجئ الصبي الذي مات وهو يسعل. لم أكن قادرا على فعل الأمر ذاته معه لان الدم كان يخرج من رئتيه والأمور كانت خارج السيطرة. اما الآن فأنا أضغط واضغط. زجاج مكسور على الرصيف جرح ركبتي. تخدرت ذراعي مع مرور الوقت وفقدت القدرة على عد ضغطاتي. فكرت إذا كنت قد كسرت أضلع كورديليا. أحدهم قال لي ذات يوم ان الضغط لن يفيد دون قناع للتنفس. قلت لنفسي لو كان بمقدوري ان افتح صدر هذه الصغيرة ومسك قلبها بيدي واضغطه حتى يعود للنبض. ربما كان على أحدهم طلب سيارة اسعاف، لكن ما الذي سيقول قائدها وهو يراني مع حيوان عجوز؟ هل يوفرون هذه الخدمة للحيوانات؟
"لقد مات." قال الشاب اليائس الذي كان يقف خلفي. قلت له انها انثى، أرجلها موجها الى السماء وكل العالم سيعرفها انها ليست ذكرا وهي في هذه الوضعية. لكن نظرة مني على كورديليا جعلتني اظن ان كلام الشاب كان صحيحا.. لقد ماتت. "حسنا، حسنا، لقد ماتت." قال الشاب وهو ينصرف. واصلت الضغط ونظرت إلى ساعتي قبل ان تسعل كورديليا، وتفتح عينيها. كان واضحا انها لم تكن معجبة بوضعيتها فحركت نفسها وجلست. سعلت مرة أخرى وهزت رأسها. رفعت حاجبيها كما لو كانت تقول لي كم نبدو سخيفين ونحن نجلس على الأرض. رفعت نفسي بصعوبة وحملتها متجاهلا نظرات الناس. شعرت بنبضات قلبها تضرب ساعدي. صعدنا بالمصعد الصغير فلم أكن أقوى على استخدام السلالم. في مرآة المصعد رأيت انعكاس وجهي، لم أرى نفسي عجوزا مثلما كنت في تلك اللحظة. كان جيمس مستيقظا عند وصولنا للشقة، كان يحمل زجاجة بيرييه ويرتدي الملابس القطنية البيضاء التي قامت ديزي بكييها. فرك وجهه ومرر أصابعه حول خصل شعره. "لم أعرف أين ذهبت." قال. "في الخارج" رددت بصوت أجش. "حادث آخر؟" الزجاجة الخضراء تبرق أمام القطن الأبيض الذي يرتديه. "هذه الكلبة تقتلني." قلت، ووضعت كورديليا بين يديه. "ماتت، لكنها ليست كذلك الآن." "ماتت؟" لم أجد تفسيرا. جسدي لم يعد قادرا على حملي. "سأذهب لأرتاح." ذهبت إلى غرفة النوم، خلعت ملابسي وتجنبت السير فوق السجادة التي بللتها كورديليا. تسلقت سريري وغطيت نفسي. سعمت خربشة على الباب قبل أن يفتح، ومن ثم صوت خطوات صغيرة. كورديليا صعدت فوق الصندوق الذي وضعه جيمس قرب السرير بعدما عرف انها غير قاردة على القفز مجددا، لحسن الحظ لا يزال يمتلك القليل من الحنان. شعرت بالجسد الصغير يتحرك بجانبي ومن ثم نمنا.

ذهبنا للبيطري بعد أن قام جيمس بأخذ موعد معه. قال الطبيب انها عمياء تقريبا، غير قادرة على السمع ومجنونة. لكنها كانت تحرك ذيلها فرحا، كانت تأكل، قدمت عرضا ترفيهيا له. جيمس سأل الطبيب عن مدى سلامتها بطرق مختلفة، وهنا كانت كلمة السر، هنا كان التلميح. كان يلمح إذا كان الوقت قد حان لقتلها. وهذا ما جعلني غاضبا. لكن البيطري المرح لم يقل شيئا، مدعيا انه لم يفهم اسئلته وقال ان عودتها من الموت كان معجزة، أطلق عليها اسم السيدة لعازر. في طريقنا إلى المنزل كانت كورديليا تلعق يدي تقديرا لموقفي.. كانت تعرف.

في الصباح التالي، غادر جميس مجددا. إلى أمستردام أو دبي، لا أعرف. جاءت ديزي لطبخ الغداء وتنظيف المنزل. قلت لها ما الذي حدث. درسنا تحركات كورديليا معا. كانت تحرك ذيلها لنا، كانت تأكل. لكنها لم تكن قادرة على تحريك رقبتها إلى اليمين. كانت تقوم بدورة كاملة كلما ارادت الالتفات لليمين. لم يقم أحد بطرح الأسئلة على لعازر، وكيف كان شعوره عند خروجه من القبر. ربما لم تكن الأمور جيدة هناك. ربما سقط مرة أخرى ومات مجددا عندما انصرف عنه الجميع. ذهبت ديزي لتنظف البقعة التي بللتها كورديليا وبقيت أفكر بالذي حدث في اليوم التالي لموت الصبي في منزل العائلة. وعن الخادمة التي رأتني وأنا أنظف المناديل. كانت فرنسية بشعر أشيب معقود. لم يكن معتادا رؤيتي أنظف أي شيء في ذلك الوقت. قلت لها انني اسقطت الحساء على الأرض. رمقتني كما كانت تفعل مدرستي ومن ثم انصرفت لتعمل دون ان تقول شيئا.

كانت كورديليا أحيانا تدخل الغرفة الفارغة وتقف هناك لتحدق. تبعتها لأرى ما تراه: الأثاث، الصور المعلقة على الحائط. لكن هل كانت تستطيع ان ترى شيئا؟ كانت تستمع ربما، لصوت جيمس. تقف هناك طويلا، تنتظر لشيء لن يأتي. بدأت أحملها كلما خرجنا وكنت اساعدها لتتبول، كنت اضغط حتى يخرج منها البول كنهر، بينما الناس يحدقون. أحملها عاليا لأجعلها تشعر بالهواء، وأقول في سري، يا إلهي ما الذي سنراه لاحقا؟ الذي رأيناه لاحقا كان الصباح، ومن ثم ثلاثة أشهر أخرى مرت، عندما لم تعد كورديليا قادرة على الوقوف ولا على تحريك ذيلها ولا حتى الاكل. اتصلت بهاتف جيمس المحمول وهو في بلدة أخرى. كان مشغولا، لكن مع مرور الحديث صار ينتبه، حنانه لا يزال موجودا. قال، "حبيبي، ربما حان الوقت."

انتظرت وصول ديزي. أكلمها بالانجليزية، لأنها لا تجيد التحدث بالفرنسية، حتى بعد مرور سنوات عديدة على اقامتها. تعيش مع مجموعة من الاندونيسيين لكن هذا لا يهم. "أريدك أن تذهبي معي إلى البيطري." قلت. رأيت في عينيها رغبة بعدم الذهاب. لكنها بدأت بترتيب حقيبتها الصغيرة. حملت كورديليا وركبنا سيارة أجرة. لا أستطيع القيادة وكورديليا بيدي، وديزي لا تملك رخصة. سائق الأجرة كان يتكلم العربية بهاتفه. ديزي جلست ويديها فوق حقيبتها بينما كورديليا جالسة في حضني.
فكرت بالفتى الذي احببته عندما كنت طفلا، قبل ان يحدث كل شيء، قبل ان أرى النور في عينيه، قبل تفاهمنا، لننسى الامر الان، لنتركه ولا نعود له ابدا.

في العيادة البيطرية، طلبت من ديزي ان تدخل معي الى غرفة الطبيب، لكنها هزت رأسها رافضة. وصل البيطري وهو يحيي كورديليا بمرح وقال "السيدة لعازر!". لكنني لم أكن في حاجة لمزيد من النكات. وضعتها على الطاولة ليفحصها. ضغطت على يدي لأوقف رجفتي. شعرت بنبضات قلبي وتذكر النبيذ الذي سأشربه مع وجبة الغداء. "آه كورديليا" قال الدكتور وهو يمسح بيده على ظهرها. "انت لست خالدة." وقال انه يعتقد ان الوقت قد حان. قالها بالضبط كما قالها جيمس سابقا عندما لمح له بقتلها. طلبت منه ان ينتظر للحظة. ذهبت لغرفة الانتظار حيث كانت تجلس ديزي مع فتاة بشعر بنفسجي وقطعة الماس على انفها. كلب بشعر يشبه الخروف يجلس بجانب الفتاة. رفع رأسه الثقيل نحوي، ليرى ان كنت أشكل تهديدا لها. "ديزي، الطبيب يقول ان الوقت قد حان. هل تأتين معي للداخل؟" رفضت طلبي وعينيها غارقة بالدموع. "لا أستطيع." همست. "لا أستطيع أن أشاهد هذا". الفتاة ذات الشعر البنفجسي قالت بلهجة المانية "الأمر فظيع. كنت هنا قبل أسابيع، مع كلبي العجوز، بكيت لمدة أسبوع." نظرت إلى الفتاة الألمانية التي لا دخل لها في الموضوع. كان واضحا انها قوية، كنت في عمر جدها. لا أريد أن أتكلم عن كلبها الذي قتل في غرفة البيطري. عدت إلى ديزي وقلت لها "أرجوك ادخلي معي." لكنها رفضت مرة أخرى. ديزي هي التي تطبخ لي، وتنظف المنزل. كانت تلبي كل طلباتي، الا هذا الطلب، قالت متضرعة "لا أستطيع."

دخلت غرفة البيطري، رأيت كورديليا على الطاولة. توجه نظرها إلى الفراغ. كان قرار جيمس صائبا عندما أحضرها لمنزلنا، ليعطيني شيئا اهتم به. "تبدو بحالة سيئة." قال البيطري وامرني بالجلوس. الممرضة مررت كوبا من الماء وقالت شيئا لتخفف عني. أفكر بجيمس، بحياتنا معا، بخزانة أحذيته، بملابسه المرمية على الأرض، الكلب هو الحبل الوحيد الذي يربطنا، وها هو الآن ينقطع. قريبا سأكون في غرفة النوم أحدق نحو الفراغ أيضا، ولأستمع لأصوات غير موجودة. "انه قرارك." قال البيطري". وحركت رأسي بإيجاب. "تستطيع أن تمسك بها." قالت الممرضة قبل ان تضع كورديليا بين يدي. ثم وضعت قطعة من القماش تحتها، شيء يشبه حفاظة الأطفال، وفكرت كم سيكون الامر قاسيا. قامت كورديليا بشم يدي، ولم أعد متأكدا من قراري، فمازال بوسعها شم العالم، باستطاعتها ان تحب. لكنني تذكر الصباح الذي لم تعد فيه قادرة على رفع جسدها. تمنيت لو احضرت سيمون معي، زوجتي الوفية، لكنها لا تحب الكلاب.

البيطري يعمل الآن، يضع عصابة حول ساق كورديليا ومن ثم جهز الحقنة. اعتقدت لوهلة انه سيخطأ ويحقن يدي لكنه لم يفعل، ادخلها في الساق النحيلة. انتظرنا لدقيقة ليبدأ المخدر في العمل، بينما كورديليا كانت تتلفت وكأنها تبحث عن شيء ما. أشعر بنبضها وفكرت قد يكون ما كنت افعله غلطة، فقبل ثلاثة أشهر كنت أجلس في الشارع اضغط على صدرها، واليوم أعطي الطبيب الحرية لقتلها. كنت على وشك ان أخبره بذلك، لكنه ظهر وفي يده حقنة أخرى. تنهدت كورديليا وغاص رأسها في حضني. شعرت بثقل جسدها قبل ان ترحل للمكان الخاطئ مرة أخرى. أخذها البيطري، وقامت الممرضة بوضع يدها على كتفي.

في غرفة الانتظار، كانت الفتاة الألمانية تعانق ديزي وتبكي معها. ديزي وجهت نظرها نحوي وهي غارقة بالدموع. أخذت أتساءل، للمرة الأولى هل كانت كورديليا هي الحبل الذي يربطني بديزي أيضا؟ ديزي تستطيع الحصول على عمل آخر في مكان آخر لتعتني بأطفال يملكون المرح التي كانت تمتلكه كورديليا، فالعمل معهم أفضل من ان تعمل لصالح رجل عجوز. أخرجت محفظتي لأدفع تكاليف العيادة، لكن موظف الاستقبال هز رأسه، لفتة طيبة ومتعاطفة. هذا امر جيد على الأقل فهم لا يطلبون منك الدفع. لو كنا نعيش في الريف لغطينا كورديليا ببطانية ودفناها، لكننا لا نملك مكانا لذلك تركناها في العيادة.

إحساس فارغ يسيطر على يدي. في الخارج، انتظرنا سيارة أجرة. رأيت كهلا يمشي، ظهره منحني، يبدو أكبر سنا مني. لا بد انه كان صغيرا في فترة الحرب، لكن في عمر مناسب للقتال، للعمل أو للركض. كنت في حاجة لأن أحمل شيئا. عقلي مشوش فقد قتلت كلبي للتو. وصلت سيارة الأجرة. استدرت نحو ديزي الذي كانت تمسح انفها، وتنظر لشيء ما في الشارع. هناك خصل من الشيب في شعرها. هذه هي المرة الأولى التي اراها خارج المنزل. مسكت ذراعها. "لا تتركيني." قلت. ديزي المصدومة رفعت رأسها عاليا. اللون الأحمر يغطي عينيها. سائق الأجرة قليل الصبر يقف هناك. أعتقد أنني سأقول كل شيء الآن، سأقول كل شيء. فأنا لا أملك المزيد من الوقت. "أرجوك لا تتركيني،"