الأحد، 3 ديسمبر 2017

صورة تغني عن ألف كلمة - تشارلز غلاس - ترجمة علي البدري

الصورة: دون ماكلين

الشاب الذي يرتدي بذلة رياضية سوداء، في الواحدة والعشرين من عمره. كان شعره الداكن مقصوصاً وغير مغسول. أصابعه متسخة، إلا أنها لم تحمل أية ندوب، كما خلا وجهه من أية علامة تشير إلى تعرضه للتعذيب. بدا وكأنه مصاباً بالدوار عندما حمل نفسه هنا آتيا من زنزانته التي إحتجزته لأكثر من سنة في أحد الأفرغ الإستخباراتية للإتحاد الوطني الكردستاني. جلس على الكرسي وحدق نحو الأرضية المزخرفة، كانت يداه المقيدتان بأصفاد الكروم البراقة تستريحان فوق حضنه. هكذا بدأت مقابلتنا مع (على قحطان عبدالوهاب) شاب عراقي، عربي، مسلم وسني المذهب. مقاتل ومنفذ عمليات إعدام سابق لتنظيم الدولة الإسلامية. على أكبر أبناء والده العامل البسيط، له أخوين وخمس أخوات. درس في أحد مدارس قرية عين سران قرب مدينة الموصل.
في مارس ٢٠٠٣، إحتلت القوات الأمريكية العراق "كنت في الثامنة، أتذكر هذا الحدث وكأنه حلم". بعد خمس سنوات، قام أحد أصدقاء علي من الموصل بإقناعه بأهمية مقاومة الإحتلال، "إنضممت إلى تنظيم القاعدة". منذ تلك اللحظة بدأت عمليات تدريبه على إستخدام أسلحة فتاكة، مثل الـAK-47 ورشاش PKC. في سنة ٢٠١٠ أُختير لتنفيذ مهمة خاصة. "إختطفنا أحدهم، كان رجل شرطة من مدينة الحويجة". إقتادوا الشرطي من الحويجة، المدينة السنية القريبة من كركوك إلى معسكرهم الواقع بالقرب من قرية تل عيد. هناك، قام أمير خليته (مازن محمود عبدالقادر) بإطلاق رصاصة برأس الشرطي وذلك بهدف "التدريب".  في السنة التالية، تلقى علي أوامر لإختطاف ثلاثة من افراد شرطة مدينة الحويجة، "قمت بقتل أحدهم، وتولى الأمير مصير الآخرين وذلك بإطلاق الرصاص تجاه رأسيهما. عقلية الجهادي كانت دافعاً لي، وهذا لم يزعجني أبدا".
في أواخر عام ٢٠١١ بدأت القوات الأمريكية بالانسحاب من الأراضي العراقية، يقول علي: "حرصنا على تجنب لفت الأنظار". عاد  علي إلى الدراسة، وتوظف بدوام جزئي في مجال البناء. قامت قوات تنظيم القاعدة بالإنضمام إلى داعش. عند بلوغه عامه الثامنة عشر، كانت داعش وجهته، لكنه لم يخبر عائلته بذلك "في عام ٢٠١٤، بايعت قائد الدولة الإسلامية، أبوبكر البغدادي". كانت قوات تنظيم الدولة الإسلامية قد إستولت على أغلب مناطق الحدود العراقية-السورية، وكانت سطوة البغدادي قد بلغت ذروتها، مهدداً بتسويع رقعة دولة الخلافة حول العالم. تم إرسال علي إلى مدينة بيجي، المدينة التي إستولت داعش عن حقول نفطها لتمويل عملياتها. هناك، قاتل علي قوات الحشد الشعبي الشيعية. لكنه أُعيد إلى الحويجة قبل أن تقوم قوات الجيش العراقي بمساندة الحشد الشعبي ودحر داعش من بيجي أواخر عام ٢٠١٥. يقول علي "في مدينة الحويجة، وبرفقة مجموعة تكونت من ثمانية أشخاص، عُرضت لنا مقاطع فيديو تظهر فيها عمليات قطع الرؤوس بواسطة السكين. دربونا على فعل ذلك". عمل علي في إستخبارات داعش "كنت أجمع المعلومات عن الأشخاص الذين يدخنون السجائر، أو اولئك الذين لم يقوموا بقص شعورهم، أو من إرتدوا ثياباً غير مناسبة. قمت بالتبليغ عنهم، كنت أعرف بعضهم، ثلاثة او أربعة منهم كانوا من الجيران. أخذوهم، ولم أرى أحداً منهم بعد ذلك."
عند عمله في أحد نقاط التفتيش: "أتذكر إلقائنا القبض على عشرة عناصر من البيشمركة، أرسلناهم إلى سجن الحويجة وأبلغ والي الحويجة (أبو عمر) الملا الكردي (ملا شوان) بقطع رؤوسهم". أحذهم الملا شوان إلى معتقل خُضض للأكراد. "هناك، طلب الملا شوان بقطع رؤوس خمسة منهم، وهذا ما فعلته، قمت بنحرهم." طريقة النحر الداعشية كانت عبارة عن دفع وجه الضحية إلى الاسفل، وسحب الرأس إلى الخلف، من ثم قطع العنق وفصل الرأس عن الجسم. سألته إن كانوا قد توسلوا إليهم طالبين الرحمة قبل قتلهم "لم ينطقوا بحرف واحد" ومن ثم سألته عن رأيه بقطع رأس إنسان غير قادر على الدفاع عن نفسه، أجاب كما لو أنه كان نازياً يقف أمام هيئة عدل بعد الحرب العالمية الثانية "كنت أنفذ الأوامر، أوامر إعتدت على تنفيذها".
"هل تراودك الكوابيس؟"
"لا."

بعد عمليات قطع الرؤوس، عاد للإبلاغ عن جيرانه والعمل في نقاط التفتيش قبل أن تصله الأوامر بتنفيذ مهمة أخرى. "وصلتني أوامر الأمير (أحمد صالح) وهو أمير إحدى مقاطعات الحويجة بالانتقال مع عائلتي إلى كركوك". كركوك التي كانت تحت السيطرة الكردية، مدينة يتكون نسيجها الإجتماعي من الأكراد والعرب والتركمان. لم تعلم عائلته سبب هذا الإنتقال والذهاب في رحلة خطرة قد تؤدى إلى موتهم. قام علي بحلق لحيته ليوهم الأكراد أنه أحد العرب السنة الفارين حكم الدولة الاسلامية. عند وصوله إلى كركوك، تلقى إتصالا من الأمير أحمد صالح يطلب منه التواصل مع ثمانية من افراد داعش المندسين. "خططنا لتفخيخ أحد المركبات وتفجيرها في كركوك". قامت الهيئات المختصة بأمر اللاجئين في كركوك بتأمين المأوى لعلي وعائلته.
بعد مرور شهر، وصل عدد من المخبرين الأكراد إلى المخيم، "أتوا خصيصاً من أجلى". أقتادوه للإستجواب، وأعطاهم أسماء رفاقه الثمانية المندسين.

في هذه الحرب القذرة، نادراً ما تكون عمليات التحقيق إنسانية. المخابرات الكردية تجلس امام شاب قطع رؤوس خمسة من أبناء جلدتهم العزل، لن يظهروا أي تعاطف. سألته "هل تم تعذيبك؟" وللمرة الأولى خلال هذا اللقاء نظر نحوي "نعم."
 سألت كيف تم تعذيبه، لكن المسؤول الكردي قاطعني وأمره بالصمت وأمرني بعدم السؤال "هذه المعلومات تتعلق بالأمن".
غيرت الموضوع، "هل أنت نادم؟" سألته، ودون أن يظهر أي شكل من أشكال المشاعر "أشعر بالندم. قضيت وقتاً طويلاً بالتفكير. لا أظن أنهم يسلكون الطريق الصحيح. ما يقومون به أمر خاطئ".


نشرت المقالة في مجلة غرانتا، العدد 140 

بودفاين بوخ: عبقري أم مخادع؟

في ربيع عام ١٩٧٠م أعلن الشاعر والروائي الهولندي بودفاين بوخ بشكل مفاجئ نبأ أبوّته للجميع. تساؤلاتُ كلّ مَن حوله كانت عبارة عن: كيف، مَن، ومتى؟ في وقت لاحق تبيّن أن المولود الذي أطلق عليه اسم بودفاين إسكندر كان ثمرةَ علاقةٍ غير شرعية مع امرأة متزوجة تعيش في مدينة لاهاي. لكن هذا الحدث، والذي كان بمثابة الصاعقة على بودفاين بوخ قبل غيره، لم يمنعه من تحمل مسؤولية رعاية الطفل الذي أتى نتيجةَ ليلةٍ أفرط فيها في شرب الكحول. وبالفعل، وعلى مدى خمس سنوات كان بوخ مواظباً على زيارة ابنه نهاية كل أسبوع، وأخذِه للتنزه في حدائق ومنتزهات أمستردام، وزيارة صديقه الكاتب بيتر فان زونفيلد. لكن علاقة بوخ بماريان، والدة ابنه والحاصلة على حق الوصاية بشكل قانوني، لم تكن مثالية، ففكرة تركِ بوخ ابنه مع أمّ لم تستطع التغلب على إدمانها على الكحول لم تكن بالفكرة المريحة.

في ديسمبر ١٩٧٥م رحل بوخ برفقة صديقيه بيتر فان زونفيلد وجاك فان ألفين إلى جزيرة تيرشخيلين شمال هولندا. في أحد الأيام التي توسطت عطلة عيد الميلاد ورأس السنة، أجرى بوخ اتصالا هاتفيا من الجزيرة إلى لاهاي وذلك للاطمئنان على ابنه، لكن الأخبار على الطرف الآخر من الهاتف لم تأتِ بما يسرّ. الصغير يرقد في مستشفى المدينة وهو في حالة غيبوبة. في تقرير صحفي أجري بعد سنوات من تلك الحادثة، قال الصديق جاك فان ألفين: "على متن السفينة التي أبحرت من الجزيرة إلى ساحل هولندا الشمالي لم ينطق بوخ بأية كلمة. كان صامتاً. لم يسألنا إن كنا نريد مرافقته إلى المستشفى أم لا". هناك، أعلمه الطبيب على عدم مقدرته علاج الورم الموجود في رأس بودفاين إسكندر وأن الفتى ميّت إكلينيكيً. ظل الورم ينمو في رأسه منذ الولادة، ولم يتم اكتشافه إلا بعد فوات الأوان.



جاءت الأخبار الأخيرة في السادس من يناير ١٩٧٦م. مات بودفاين إسكندر قبل أن يكمل عامه السادس. تقول صديقته بيرناديت خاليس التي التقت بالطفل مرة واحدة عندما طلب منها بوخ أن تقّلهما بسيارتها من أمستردام إلى لاهاي: "كانت أياماً عصيبة جدا، لم أرَ صديقي أكثر حزناً من ذلك اليوم". وكعادة أغلب الناس في هولندا، قرر بودفاين بوخ أخذ جثة ابنه إلى محرقة أوكنبورخ في لاهاي. لم يترك لأي أحدٍ الفرصةَ للقدوم معه إلى المحرقة، أراد الاختلاء بابنه في لحظاته الأخيرة، لكنه وافق على أخذ مبلغ ٦٠ خيلدرز (ما يعادل ٢٧ يورو اليوم) من صديقه الكاتب هاري جي ام بريك وذلك لدفع رسوم حرق الجثة.

في لقاء أجري مع بوخ بعد سنوات، سأله مُحاوره عن الأثر الذي تركه ذلك الحادث المؤلم في نفسه، فكان أن أجاب: "لم يكن بالإمكان إنقاذه. كانت سنواتي المعدودة معه أكثر سنواتِ حياتي سعادة. أتذكر ذلك اليوم الذي أخذته فيه إلى حديقة آرتيس للحيوانات، قضينا معا عدة ساعات هناك، لم أرَه أكثر بهجة من ذلك اليوم. إن أسوأ ما قد يحصل لك هو أن تفقد طفلك، وخصوصً إذا كنت تراه في كل مكان وفي كل شيء. كان يعشق الموسيقى التي أستمع إليها كل يوم، وكان يحب فرقة رولنغ ستونز وأغنية Satisfaction".

موت الطفل أصبح الثيمة الأساسية لأعمال بودفاين بوخ اللاحقة، وبالأخص روايته الأشهر (موت الأشقر الصغير Kleine Blonde Dood) الصادرة عام ١٩٨٥ عن دار دا اربيدرسبير. إذ تتقاطع تفاصيل الرواية بشكل رئيس مع حياة الكاتب: علاقته مع والده اللاجئ اليهودي الذي دمرته الضغوط النفسية نتيجة ما رآه من فظائع ارتكبتها قوات الحزب النازي تجاه اليهود في جميع أنحاء أوروبا مؤديةً إلى انتحاره بعد الحرب العالمية الثانية، واستياؤه من نظرة القراء إلى الشعر الحديث، وعلاقاته الجنسية العابرة، وطبعا أبوّته المفاجئة وفاجعة موت ابنه. استقبلت الأوساط الأدبية هذا العمل بحفاوة شديدة، مما جعله واحداً من أهم الأعمال في الأدب الهولندي المعاصر وأحد الأعمال الأدبية المقررة في المنهج الدراسي لطلبة المرحلة المتوسطة اليوم.

لم تجد الرواية طريقها بعدُ إلى الإنگليزية أو غيرها من كثيرٍ من اللغات (ترجمت إلى الألمانية فقط)، كحال غيرها من الأعمال الروائية والشعرية الهولندية. وهذا ما دفعني إلى الشروع في ترجمتها إلى العربية بمساعدة مجموعة من الأصدقاء الذين ساعدوني في تفسير تفاصيل النص. الفقرة التالية عبارة عن ترجمة لجزء من الرواية آنفة الذكر:

"في الواقع، ابنك ميت سريريا." قال الطبيب الذي ارتدى معطفا ناصع البياض إلى درجة جعلت عينيّ تشعران بالألم.
"لم يعد لدينا أيّ أمل إذن؟"
"لا، على المستوى الإنساني، ليس هنالك أي أمل."
سألتُ الطبيب ما الذي كان يقصده عندما قال "على المستوى الإنساني." بخفة، ضرب أصابعه على سطح مكتبه ونظر باتجاهي، ثم اقترب: "لا أريد أن يخرج ما سأقوله لك إلى خارج هذه الغرفة. ابنك ميت."
"إذن، لماذا أراه يرقد هناك وجميع أشكال الصمامات موصولة به؟ لماذا هو مخبّأ ذلك الجهاز الذي يصدر ضجيجا تحت سريره؟ وما الهدف من وقوف أنبوب الاكسجين بجانبه؟"
"قد نستمر على هذا الحال لسنوات."
"تقصد أن ميكي سيستمر على هذا الحال لسنوات؟"
"على هذا الحال."
الطبيب الذي كان في عمر مقارب لعمري قال إن ابني قد يبقى لسنوات "على هذا الحال" جلس بطريقة لم أنسها أبدً. ما زال شريط تلك اللحظة يدور في مخيلتي. وضع يديه على ملف الأوراق الممدد فوق مكتبه، ولمست أصابعه الصغيرة أطراف الملف المغطى بجلد صناعي. بدا خاتم الزواج بارزا على يده اليمنى. أمال ظهره على الكرسي قبل أن يرفع رأسه. عيناه حدقتا في تعابير وجهي، بينما تطابقت شفتاه بشكل مستقيم وكأنه على وشك طرح أسئلة جديدة، لكنه لم يفعل. بعد مرور عدة دقائق، وقفتُ وخطوتُ عدة خطوات بلا معنى حول غرفته. مشيت حول طاولةٍ موضوعٌ على سطحها الزجاجي كتابٌ بعنوان "دليل الأدوية والمعدات الطبية." ألقيت نظرة على الكتب في مكتبته، كتب سميكة، على أغلفتها صورٌ لطيورِ الكناري وعشبٍ أخضر. نظرت نحو الجدارِ وشهادتِه الطبية المعلقة عليه قبل أن أجلس مرة أخرى.
قال بصوت خافت:"القرار يعود إليك."
"تقصد بأن أسمح لك بفصل الأنابيب عنه وإطفاء أجهزة التنفس؟"
"أجل."
فجأة أصبح القرار النهائي عائداً إليّ. ميكي على وشك أن يبلغ السادسة وهو نائم. قد يبلغ العاشرة أو حتى الثانية عشرة من عمره، سيكبر وهو في حالة نوم لا نهائي. كان واضحا انشغالُ الطبيب الذي كان يجلس بالقرب مني بتخمين ما يدور في رأسي:
"ليس من العدل أن تُنزل على نفسك هذه العقوبة. عقوبة البقاء متأملا عودته من الغيبوبة يوما بعد يوم، أو شهرا بعد شهر، أو حتى سنة بعد سنة. لن يقودك هذا الأمل إلى نتيجة. أرى أن ترك ابنك بهذه الحالة لن يفيده أو يفيدك. رأيت أمهاتٍ وآباءَ يفقدون عقولهم، يأتون إلى هنا ويجلسون إلى جانب أطفالهم، آملين أن يفيقوا من سباتهم يوما ما."

نقل النجاح الجماهيري والاستقبال النقدي للرواية بودفاين بوخ إلى مرحلة أخرى، من مرحلة كاتب جيد يحظى بعدد متوسط من القراء إلى الكاتب الأكثر شهرة على الاطلاق. حولت روايته إلى فيلم سينمائي اختارته هولندا لتمثيلها في جوائز الأوسكار في فئة أفضل فيلم أجنبي، وعَرضت عليه إحدى القنوات التلفزيونية العمل على برنامج تلفزيوني أسبوعي عن الأدب العالمي. وبالفعل قبل بوخ بالعرض وأصبح برنامجه (عالم بودفاين بوخ) حديثَ الأوساط الأدبية الهولندية. في إحدى الحلقات تحدث عن موسيقى الروك آند رول وقال إنها لا تقل في قيمتها الفنية والأدبية عن الروايات والشعر، ودخل في جدال طويل مع أحد الأدباء عندما قال إن مغني فرقة رولنغ ستونز ميك جاگر لا يقل أهمية عن الشاعر الألماني يوهان فولفغانغ غوته. أبرزَ البرنامجُ شخصية بوخ المثيرة للجدل التي زادت بدورها من شعبية الكاتب وقبوله. لكن كل شيء تغير بعد وفاته في نوفمبر ٢٠٠٢م. ظهر باتريك، شقيق بودفاين بوخ، وقال إن شقيقه كذب على الجميع بما فيهم عائلته وأصدقائه. فالصبي، بودفاين إسكندر، لم يمتْ بل هو على قيد الحياة، وقال إن بودفاين إسكندر ليس ابن شقيقه أصلاً، بل إنه ابن صديقة له تدعى ماريان فيرفي، أخبرها بوخ بشكل مفاجئ أنه سيسافر إلى إفريقيا وسيبقى هناك لمدة سنة، وفي تلك الأثناء قطع بودفاين بوخ كل سبل التواصل معها. وعند سؤاله عن حقيقة انتحار والده قال باتريك: "غير صحيح، نحن عائلة هولندية كاثوليكية، لم يكن والدي لاجئا ولم ينتحر، بل مات بسكتة قلبية."

توجهت الصحافة إلى أصدقاء بوخ أولاً، فهم بالفعل التقوا الطفلَ برفقة بودفاين بوخ. المصور الفوتوغرافي مارك بليسيه قال: "لا أفهم ولا أعرف ما الذي يجري، لا يمكن أن أصدق ما يقال. نعم أعرف الآن أنه كان يكذب لكن لا يمكنني أن أصدق. كان هنا قبل سنوات، هنا في منزلي، وعندما وقعت عيناه على صورة لطفل أشقر على الرف شرع في البكاء وطلب مني إزالتها بحجة أنها كانت تذكّره ببودفاين إسكندر، وهذا ما فعلتُ." وفي حوار صحفي قالت بيرناديت خاليس: "كنت قد أخذتهما مرة بسيارتي من أمستردام إلى لاهاي، لكنه طلب مني أن أركن سيارتي بعيداً عن منزل والدة بودفاين إسكندر، قال لي إنها سوف تشعر بالغيرة من وجود امرأة أخرى معه." الأمور لم تتوقف هنا. إذ قال جان فان ديفليده، المخرج الذي حول الرواية إلى فلم سينمائي عام ١٩٩٣م: "قبل العرض الرسمي الأول للفيلم طلبتُ من بودفاين بوخ أن يكون موجودا في قاعة السينما، فهو البطل الحقيقي للقصة، وحضوره سيكون بمثابة حملة دعائية قوية للعمل، لكنه هاتفني قبل ساعات من العرض وأخبرني عن عدم قدرته على الحضور لأن والدة بودفاين إسكندر شاهدت الفيلم فكان أثره سلبياً للغاية على نفسيتها مما دفعها إلى قتل نفسها."

أخيرا عثرت الصحافة على الصبي بودفاين إسكندر. كان يبلغ الثالثة والثلاثين عندما تحدث إلى العامة لأول مرة قائلا: "كانت أمي مصابة بداء السكري، شرب الكحول كان سيؤثر سلباً على صحتها. لا لم تكن مدمنة." قال إن كل ما يتذكره من رحلته الى أمستردام برفقة بوخ هو الجلوس في الحانات بجانب رجال يدخنون ويشربون. ولم يأخذه الكاتب إلى حديقة الحيوانات أبداً.

لم تتوقف كتب السيرة الذاتية والمقالات عن بودفاين بوخ حتى بعد مرور ما يقارب خمسة عشر عاماً من رحيله، وما زال الناس يتحدثون عنه. فريق أول يرى فيه الشخص المجنون والمخادع الذي يضع قمم الثقافة الغربية المتمثلة بيوهان فولفغانغ غوته وفريدريك شيلير في خانة واحدة مع ميك جاگر، يرى فيه شخصا أحمق يظهر على شاشة التلفزيون مرتديا تي شيرتا لفرقة موسيقية ويتحدث عن سيلفيا بلاث. وفريق آخر يعتقد أن له دوراً رئيسياً في تشكيل الثقافة الأوروبية في الربع الأخير من القرن العشرين.



نشرت في مجلة سبيل

الثلاثاء، 18 يوليو 2017

[ترجمة] آلن غينسبرغ عاد لينقذنا - مارك د. شلايفر



 


السابع من اوكتوبر 1955. آلن غينسبرغ يقف امام الجماهير الحاضرة الى غاليري 6 لسماع قصيدته الجديدة (عواء). لورنس فيرلنغيتي، مؤسس وصاحب مكتبة ودار النشر سيتي لايتس - City Lights يعرض على الشاعر نشر القصيدة. بعدها يحصل غينسبرغ على وظيفة كأمين مخزن على ظهر سفينة تبحر نحو المنطقة القطبية الشمالية وذلك حتى يوفر لنفسه مبلغا مناسبا للسفر الى المغرب ومساعدة ويليام بوروز على تحرير وتدقيق رواية (الغداء العاري). على متن تلك السفية قام غنسبرغ ببعض التعديلات على مسودة كتاب (عواء وقصائد أخرى). في الفترة ما بين الامسية التي قامت في غاليري 6 وهذه المقابلة سافر إلى عدة اماكن: قام وزميله غاري سنايدر بالوقوف على جانب الطريق والطلب من الغرباء توصيلهم الى عدة نقاط حتى نجحا بالسفر من سان فرانسيسكو الى سياتل. ومن هناك التقى بصديقه الشاعر غريغوري كورسو وذهبا الى مدينة لوس غاتوس في كاليفورنيا لزيارة نيل كاسدي. قام آلن وكورسو وبيتر اورلوفسكي الذي اصبح لاحقا عشيق غينسبرغ بزيارة جاك كيرواك في مدينة نيو مكسيكو ومن هناك، سافر آلن غينسبرغ وبيتر اورلوفسكي وجاك كيرواك من نيويورك الى طنجة للقاء ويليام بوروز. من المغرب سافر غينسبرغ الى اسبانيا، فرنسا وايطاليا قبل ان يعود مرة اخرى الى باريس لمقابلة غريغوري كورسو، واقناع دار اولمبيا بنشر رواية الغداء العاري لبوروز. من باريس قام آلن غينسبرغ بزيارة امستردام وانجلترا قبل ان يعود الى نيويورك عام 1958. خلال تلك الرحلات صادرت دائرة الجمارك 520 نسخة من كتاب "عواء" بدعوى انه  بذيئ ومبتذل ومخل بالآداب العامة، لكنها عادت وفسحت الكتاب بعد ان رفض النائب العام لولاية سان فرانسيسكو القضية المرفوعة على الكتاب. بعد ذلك تولت الشرطة المحلية زمام الامور وقام ضابط قسم شؤون الاحداث، ويليام هانراهان بالقبض على بائع الكتب شيغيوشي موراو الذي باع نسخة من الكتاب لشرطي متخف ومن ثم رفع شكوى ضد فيرلنغيتي كونه الناشر وصاحب المكتبة، واورد في التقرير ان الكتاب غير مناسب لغير البالغين. تحرك الاتحاد الامريكي للحريات المدنية وباشر الدفاع عن فيرلنغيتي وموراو وحصلا على البراءة حيث رأت المحكمة ان للكتاب قيمة ادبية. وبينما كان الكتاب يحصل على شهرة واسعة، كان غيسنبرغ خارج البلاد يواصل اسفاره حتى منتصف الستينيات. وبسبب تواجده في خارج الولايات المتحدة وعدم توفر وسائل اعلامية كافية، كانت المقابلات التي اجريت معه قليله وقصيرة. التقينا به لأول مرة في نيويورك بعد عودته من باريس.


"لماذا عدت يا آلن؟" قلت.
"لأنقذ أمريكا" أجاب. "ولا اعلم مما"
وما بين سؤال وابتسامة، اجابة وضحكة، واول كأس جعة في الوقت والمكان ما بين الطاولة والارض المغطاة بنشارة الخشب، ضاع رتم الحوار. يصعب على المرء ان يحافظ على رتم الحوار عندما يلتقي بآلن غينسبرغ. جلس آلن غينسبرغ امام طاولة في حانة محلية، مرتديا قميصا ملونا وبنطالا باهتا. اتذكر فترات الراحة التي اخذناها، عندما طلبت كأس جعة مثلا، او عندما قام غينسبرغ وطلب اعواد كبريت من فتيات جلسن بجانبنا. احيانا كنت ادون الملاحظات واحيانا لا. هذا النص ليس نبذة عن الشاعر النيويوركي، بل سلسلة من ردوده وافكاره وجمله. لو كنت انوي الكتابة عن غينسبرغ بدلا عن كتابة ما يقول لكتبت ابتهالا في حقه.




عن باريس:
قضيت ثمانية اشهر في باريس رفقة ويليام بوروز وغريغوري كورسو. شعرية كورسو في قمتها الآن، هو وبوروز (صاحب رواية الغداء العاري، رواية خالدة ستقودكم للجنون) يعيشان هناك، كورسو يكتب قصائد غنية وعظيمة. منذ قصيدته (غاسولين) وهو يوسع المنطقة التي قام غيره من الشعراء بتغطيتها. كما تعرف، انا قريب من الادب، لكن كورسو يستيطع الكتابة عن كرات العث او القنابل الذرية. في باريس، زرنا لوريس فردناند سيلين، كاتب لن تستطيع قراءة اعماله بعد الآن في اوروبا، وذلك لاسباب سياسية. شخص نكد يرتدي ملابس سوداء اللون، مجنون وجميل. عندما وصلنا اليه، ظن اننا صحفيون وصرخ: "الصحافة مرة أخرى!" قبل ان نخبره اننا مجموعة من الشعراء.

عن الاسلوب الغريزي في الكتابة:
تحدث في البداية عن جاك كيرواك: جاك اعظم من يكتب حاليا. يكتب باستمرار، قادر على كتابة مئة كلمة في دقيقة، وفي كل مرة يكتب تزداد مهارته. قادر على تحجيم نسبة التكرار التي ينزعج منها الكُتاب. تعجبني مقارنتك لاسلوبه الغريزي بحالة الانغماس والتركيز الموجودة في فلسفة الزن، لكن اسلوب جاك تم اكتشافه او وصل اليه بشكل فطري وليس منسوخا من فلسفة لاهوتية.
 عن نورمان بودوريتز: (في عدد ربيع عام 1958 لمجلة بارتيسان ريفيو، هاجم نورمان بودوريتز كتاب جيل البيت، وبشكل رئيسي جاك كيرواك والن غينسبرغ، ووصفهم بـ"بوهيميان جاهلان". اتهم كيرواك وغينسبرغ بالعدوانية وانهما يحاربان المفكرين وان تسويقهم لفكرة الكتابة الغريزية دمرت "الحاجز الذي يفصل بين الواقع والادب".) "الرواية بوجهة نظري ليست حالة خيالية لحقيقة خيالية، بل هي تعبير لما يحس به الكاتب. بودوريتز لا يكتب النثر، لا يعرف كيف يكتب النثر، وهو غير مهتم في المشاكل التقنية للنثر او للشعر. هجومه على طريقة كيرواك التلقائية في الكتابة تفضح جهله في التفريق بين الكلمات والايقاع الشعري وبين الكتابة وفن الالقاء. الجزء الذي يتحدث فيه عن كوننا نحارب المفكرين يعبر عن تكبره. تلقينا ذات التعليم، وذهبنا الى نفس المدارس ونعرف ان هناك نوعان من (المثقفين). بودوريتز شخص غير متصل بأدب القرن العشرين، يكتب لقراء يفكرون كما لو كانوا من القرن التاسع عشر. الآن، نملك ادب يعبر عن الكُتاب شخصيا: بروست، ولف، فوكنر، جويس. مشكلة بودوريتز انه يتباهى بعقله السمين والتافه. 
عن نورمان ميلر: "قرأت له (الزنجي الابيض) نص يحمل في طياته لمسة روحانية وهي المقالة الوحيدة الجيدة التي اصطدمت بها. اود الحديث معه. سيعجبني ان علمت انه ميال للشعر النقي، وان يكون شاعرا ملائكيا. في المقالة يظهر ان لديه ولع بالاولاد الصغار حيث يقول: "قابلت عدد كبير من الاولاد اصحاب الجنح. عملت ما بوسعي حتى ابقى معهم الى الابد"
 عن شعراء اميركا: هناك حركة شعرية نهضوية تحدث الآن. سأعطيك قائمة بـ 20 شاعرا اميركيا ارى انهم الافضل. كما تعرف، لم تكن هناك اي قائمة للشعراء الثائرون. فهم قاموا بنشر اعمالهم على نطاق ضيق، لأن عملية النشر في اميركا عبارة عن فخ: جاك كيرواك، نعم، كيرواك شاعر. غريغوري كورسو، آلن غينسبرغ، ويليام بوروز. كنا معا في سان فرانسيسكو. غاري سنايدر وفيل ويلان، ايضا في سان فرانسيسكو، كلاهما الآن يقودان حركة لفلسفة الزن هناك. روبيرت كريلي، يكتب قصائد قصيرة ستعجبك. تشارلز اولسن، دينيس ليرتوف وادوارد مارشال. جماعة كلية بلاك ماونتن وهم فرانك اوهارا وكينيث كوتش. الشاعر والرسام النيويوركي جون اشبري. هناك بريسكي من شيكاغو. جون واينر، الذي ساهم في انشاء ونشر المجلة الادبية Measure. بول بلاكبيرن وجويل اوبنهايمر، ايضا من جماعة بلاك ماونتن. كتابات روبيرت لويل الحديثة، ستيوارت بيركوف، مايك ماكلور والعجوز روبيرت دونكن. هناك المزيد مثل ريموند بريمزر في بوردينتاون ورون لوينسون في لوس انجلوس. ذاكرتي لا تسعغني، وعلي ان اعتذر للمئات من الملائكة المجهولين الذين لم اذكرهم. 
"اخبرت المذيع في محطة الراديو انني احب تدخين الماريجوانا، وضع يده على لوحة التحكم فقلت: لا تضغط على الزر، وتقطع حديثي، اذا فعلت سيفهم جمهورك لماذا قمت بذلك على اية حال. ولذلك لم يفعل اي شيء. جزء من قصيدة عواء كتبت تحت تأثير المخدر."

 لا اتذكر ما تبقى من لقائي معه، أو لنقل انني اتذكر لكنني سأقف هنا. هذا النص ما هو الا مجموعة خواطر عن آلن غينسبرغ، ليس نصا على الملائكة او القديسين او عن سالينجر او كتاب الطريق الى الحج - The Way of the Pilgrim. أعجز عن محاكاتك يا آلن، أو وصفك، أو أن أختصرك في جملة أو اثنتين. كل ما بوسعي فعله هو تدوين انصاتي لك ومحاولة استيعاب ما تبقى مما تقول، لأنك الوحيد ممن اعرف، القادر على الوصول الى الدارما وهو جالس على كرسي طبيب الأسنان.

  فيلج فويس، 15 اوكتوبر 1958

الأحد، 16 يوليو 2017

[ترجمة] مانفيستو: جمعية لتقطيع أوصال الرجال - فاليري سولاناس (1)




الحياة في أفضل احوالها في هذا المجتمع عبارة عن ضجر مطلق، وكل جانب من جوانب هذا المجتمع لم يبنى من أجل المرأة. كل ما تبقى للنساء صاحبات الفكر، المستقلات والجامحات فعله هو نبذ الحكومات، واقصاء النظام المالي، وتأسيس نظام يستعيض بالآلة بشكل كامل وتدمير الجنس الذكري. فبمقدورنا الآن التكاثر دون مساعدة الذكور (وبشكل أدق، الإناث) وإنتاج الإناث فقط. علينا البدء بهذه العملية بشكل عاجل.

الذكورة حادثة بيولوجية: كروموسوم الذكورة (Y) عبارة عن كروموسوم انوثةX) ) غير مكتمل، هذا كل شيء. مجموعة ناقصة من الكروموزومات. في عبارة أخرى، الذكر عبارة عن انثى غير مكتملة، عبارة عن اجهاض يسير على الأرض، عملية اجهاض حدثت في مرحلة تكون الجينات. الذكورة هي ان تكون عاجزا، محدود العاطفة، الذكورة مرض النقصان، والذكر مشلول عاطفيا. الذكر أناني بشكل كامل، عالق في فخ ذكوريته، عاجز عن التعاطف والتواصل مع غيره. عاجز عن الحب، وتكوين الصداقات، فاقد للحنان. هو كتلة منزوية بشكل كلي، عاجز عن التآلف مع أي أحد. يتعاطى بشكل حسي لا وجداني، وفطنته أداة لخدمة رغباته واحتياجاته. لا يستطيع ان يتعاطف او يتواصل بشكل ذهني. لا شيء يعنيه غير الاحاسيس الجسدية. هو نصف ميت، جسد لا يستجيب للعلاج، لا يعطي ولا يستقبل المرح او السعادة، وبناء على هذا: هو وفي أفضل احواله عبارة عن ضجر صاخب، فرقعة لا تضر، فمن لا يملك القدرة على استيعاب غيره لن يكون فاتنا. الذكر عالق في منطقة تتوسط البشر والقرود، بل هو أسوأ بكثير من القرود، حيث انه وعلى عكس القرود، يحمل مشاعرا سلبية، مثل الكراهية، والغيرة والذل والبغض والذنب والعار والشك وأكثر. الذكر يعلم حقيقته. ومع انه كائن جسدي بالكامل، الا انه غير صالح لمهام الفحولة. وبغض النظر عن الفعالية الميكانيكية التي يتملكها البعض من الرجال، الا انهم أولا: يفتقدون حس الامتاع واللذة، بل ان مشاعر الذنب والخزي والخوف وعدم الأمان تلتهمهم، وهي مشاعر مغروسة في طبيعتهم الذكرية، وكل ما تستطيع تمارين التثقيف الفكري فعله هو تقليل حدتها لا أكثر. ثانيا: المشاعر الجسدية التي يبلغها محدودة ولا تكفي. ثالثا: هو غير متعاطف مع شريكه، مهووس بما يفعله، حيث تتحول العملية الى أداء يشبه سباكة المواسير وانابيب المياه. تشبيه الرجل بالحيوان سيكون بمثابة ثناء له، هو مجرد آلة، قضيب صناعي سائر. يقال ان الرجال يستغلون النساء، ما نوع الاستغلال؟ بالطبع استغلال غير ممتع. الذكر مهووس بعملية الإيلاج، وهو مستعد للسباحة في نهر من المخاط، والغرق حتى انفه في وحل من القيء إذا عرف ان في الضفة الأخرى مهبلا ودودا ينتظره. سيضاجع امرأة يبغضها، أي عفريتة شمطاء بأنياب وأكثر. لماذا؟ لن تكون الإجابة في انه احتاج لتحرير نفسه من التوتر الجسدي، لأن الاستمناء قادر على توفير ذلك النوع من التحرر. ولن تكون الإجابة لإرضاء غروره، فهذا لا يفسر مضاجعته للجثث والأطفال.
كونه انثى غير مكتملة، الذكر يقضي حياته في محاولة لإكمال نفسه، ليصبح أنثى، يسعى باستمرار للتقرب منها وزعمه بامتلاك كل خصائصها مثل قوة العاطفة والاستقلالية، والعزيمة، والديناميكية، والقدرة على اتخاذ القرارات، والهدوء، والعقلانية، والإصرار والمصداقية، والشجاعة، والأمانة، والهمة، والحماسة، وعمق الشخصية، إلخ. ويرمي عليها كل سمات الذكور: التفاهة والغرور، والحقارة، الخ. ولكن لا بد من الاعتراف ان للذكر مهارة مهمة واحدة يتفوق فيها على الانثى وهي: مهارة التحدث مع العامة، حيث استطاع من خلالها ان يقوم بعمل جبار وإقناع الملايين من النساء ان الرجال نساء، وان النساء رجال.
لا تحسد المرأة الرجل على قضيته، بينما الرجل يحسدها على مهبلها. عندما يعترف الرجل بسلبيته ويبدأ بتعريف نفسه كامرأة (أوضح هنا ان الذكور مثل الاناث ايضا، يعتقدون الرجال نساء، والنساء رجال)، ويصبح متحولا فيبدأ بفقدان الرغبة بالايلاج ويقدم نفسه كـ دراغ كوين – Drag queen، ويبتر قضيبه، فما الإيلاج بالنسبة للرجل سوى عملية دفاعية ضد رغبته في ان يصبح انثى. الذكر مسؤول عن:

الحروب: ردة فعل الذكر الطبيعية تجاه عدم كونه انثى هو حمل "سلاحه الكبير" الخامل، حيث انه قادر على حمله لمرات قليلة ومعدودة ليبرهن للعالم اجمع انه (رجل). ولكونه فاقد للرأفة والعطف، يبدأ عملية اثبات رجولته بتشويه وتعذيب حياة عدد لا نهائي من البشر، ومن بينها حياته نفسها، حياته عديمة الجدوى، حيث يفضل القتال حتى الموت على ان يعيش لخمسون سنة إضافية.

اللطف، الدماثة، والوقار:
يعلم كل رجل في قرارة نفسه انه قطعة براز بلا قيمة. محملا بفطرة بهيمية يخجل منها في اعماقه. لا يود التعبير عن نفسه امام الآخرين بل يخبئ عنهم طبيعته البدنية، وانانيته ومشاعر الكراهية التي يحملها تجاه غيره من الرجال، وأيضا يخبئ نفسه من ذات المشاعر التي يحملها غيره من الرجال تجاهه، فالتركيبة الخشنة لنظامه العصبي تستفزها أصغر صور المشاعر والأحاسيس. الذكر يسعى لفرض تشريع "اجتماعي" يضمن تقبل سطحية تامة لا تتأثر بشعور او رأي مزعج. الذكر يستخدم مصطلحات مثل: المضاجعة، الجماع، علاقة (العلاقات الجنسية بالنسبة للرجال عبارة عن حشو زائد) يكسو نفسه بهذا الثوب الفضفاض من الكلمات المنمقة: مثل شامبانزي في بزة رسمية.  


المال، الزواج، الدعارة، العمل وتعطيل فكرة انشاء مجتمع يعتمد على الآلة:
لا يوجد أي سبب إنساني لوجود المال، أو لأن يعمل أي شخص لأكثر من ساعتين أو ثلاث كل أسبوع. كل الاعمال غير الإبداعية (وهو بالضبط ما نقوم بفعله الآن) كان بمقدورنا ومنذ زمن طويل توكيل الآلة للقيام بها، وستحصل كل امرأة في مجتمع يخلو من المال على ما تريده. لكن هناك أسباب لا إنسانية، أسباب ذكورية للإبقاء على النظام المالي.

الخميس، 19 يناير 2017

أضع دائما مهبلي - آيلين مايلز [قصيدة مترجمة]


أضع دائما مهبلي
في وسط شجرتين
مثل شلال
مثل بوابة إلى الله
مثل سرب طير
أضع دائما فرج عشيقتي
على ذروة موجة
مثل علم
أعلن مبايعتي له. هذا وطني
هنا، عندما نكون وحدنا
في مكان عام.
مهبل عشيقتي
شارة شرطة
هراوة
خوذة
وجه ظبي
حفنة أزهار
شلال
نهر من الدماء
إنجيل
إعصار
متنبئ
مهبل عشيقتي
صيحة حرب

صلاة

وجبة غداء
ثري
سعيد
يظهر في التلفاز
ذا حس فكاهي
له مهنة
وكوب قهوة
يذهب للعمل
يتأمل
دائما وحده
يعرف وجهي
يعرف لساني
يعرف يدي
هو المنبه
صاحب عادات سيئة
مؤمن بأفكاره


اضع دائما مهبلي

وسط شجرتين
مثل شلال
قطعة حلي
أرتديها على صدري
مثل شارة شرطة في أمريكا
حتى نكون انا وعشيقتي
في أمان
آيلين مايلز، شاعرة أمريكية

السبت، 27 فبراير 2016

ترجمة: عندما التقى الن غينسبرغ ببيرني ساندرز - آلان ام. جالون

  

متى التقى الن غينسبرغ وبيرني ساندرز للمرة الأولى؟ ماذا كانت ظروف تلك المقابلة؟ يبدو ان حتى المقربين من ساندرز وغينسبرغ لا يتفقون على تاريخ اللقاء الذي تحدثت عنه صحيفة فوروورد في مقالة نشرتها على موقعها الالكترني. عادت الاسئلة لتطرح مرة اخرى بعد ان انتشرت صورة على الانترنت تجمع الشاعر صاحب التوجهات الاشتراكية مع عمدة ولاية فيرمونت اليساري في مكتبه. الصورة التي اثارت بعض التساؤلات عن اللقاء، التقطتها المصورة فيليس سيغورا في سنة 1983 والتي كانت تعمل حينها كمصورة مستقلة لصالح مجلة يوغا جورنال. كانت وظيفتها في ذلك الوقت هو تتبع آلن غينسبرغ في جولة لقراءة الشعر في فيرمونت.
الصورة تظهر ساندرز متحمسا بينما  يظهر غينسبرغ اكثر راحة مرتديا ثيابا ذات طابع رسمي، ويبدو ان النقاش كان يدور حول موضوع مهم. السؤال هنا، ما الذي ادى لأن يتلقيا؟ "لا أتذكر ما الذي كانا يتناقشان حوله" قالت سيغورا لمجلة فوروورد، من منزلها في شمال نيويورك. "ليتني استطيع ان اتذكر النقاش. اتذكر ان الموسيقي ستيفن تايلر كان في نفس الغرفة"
 
ستيفن اكس تايلر، عازف غيتار وصاحب تعاونات موسيقية متعددة رافق الن غينسبرغ لفترة طويلة ما بين عام 1976 و 1996. تم التواصل معه في بروكلين، قال انه يتذكر، واضاف ان النقاش كان وديا ولطيفا لكن الزمن محى من ذاكرته ما دار في ذلك الحوار. لاحقا قال تايلر ان يتذكر انهما التقيا مرة أخرى في مكان عام وبدا ان ساندرز لم يكن راضيا في تلك المرة. اضاف ان اللقاء قد حدث ولربما في الجولة التي قام بها مع غيسنرغ عام 1983 لكن لا يمكنه التأكيد على ذلك.

 سيغورا قالت ان اللقاء الذي حدث في مكان عام لم يحدث في تلك السنة ”هذا لم يحدث، لانني رافقت الن في تلك الجولة“. تايلر أضاف ان في تلك الزيارة إلى بيرلنغتون قام ساندرز بتقديم الشاعر للجمهور قبل ان يقوم الأخير بقراءة قصائده التي رافقها عزف تايلر على آلة الجيتار. ”الذي حدث، اننا قمنا بهذا العرض داخل بناية تمتلكها بلدية بيرلنغتون.. وساندرز حضر لتقديم الن“ يقول ان ساندرز كان يجلس في الصف الأول. ”بيرني كان فخورا بتقديم الن لكن كانت للأخيرعادة وهي قراءة قصائده الجديدة امام الجماهير قبل نشرها، ولسوء حظ ساندرز في ذلك اليوم كانت القصيدة عن الجنس الشرجي. "كانت لديه هذه النزعة الفاحشة وحب الحديث بشكل بذيء أمام العامة. اسلوب متبع في النشاط المساند للمثلية الجنسية وهو ايضا ما قام به" القصيدة كانت بعنوان (ماذا انت بفاعل؟) وقد نشرت في النسخة الأخيرة من مجموعته الشعرية. "نهض ساندرز من مقعده بينما كان غينسبرغ منهمكا بقراءة القصيدة، ومن ثم ادار ظهره وغادر المكان" يضيف تايلر، "قلت لنفسي: يا له من موقف سيء لرجل سياسي، يا الهي هذا الشخص اليساري له همومه الخاصة وفوق ذلك كان يجلس هنا يشاهد الن غينسبرغ يقرأ قصيدة عن الجنس الشرجي. لم يكن من المفترض ان يقوم الن بهذا. كان عليه ان يكون أكثر حرصا  لكن الحماس كان قد اخذه حين أدى قراءة القصيدة، كان مؤديا بارعا"
قلت لتايلر ان ساندرز ظهر في الصورة التي التقطت عام 1983 كشاعر أكثر منه كسياسي بينما غينسبرغ - الشاعر الذي كان يكتب قصائد قابلة للانفجار- ظهر 
كعمدة لمدينة صغيرة وهو يرتدي باناقة معطفا وربطة عنق. 
"اوه، اشترى تلك الثياب من محلات جيش الخلاص، كل ثيابه اشتراها من هناك"
القائمون على حملة ساندرز الانتخابية لم يجيبوا على طلبنا بالتعليق على الصورة او الحادثة التي ذكرها تايلر. كان للمتمردان، غينسبرغ وساندرز تواصل على مدى السنين. الشاعر زار بيرلنغتون عدة مرات من بينها الزيارة في 1986، عندما كتب قصيدة بعنوان ” ثلوج بيرلنغتون“ التي مدح فيها فضائل وقيم الاشتراكية وقام بالقراءة في مكتبة محلية صغيرة. غينسبرغ سافر الى فيرمونت عدة مرات للبقاء مع مدرسه البوذي "تشوغيام ترونغبا" في المركز البوذي الذي كان يبعد حوالي نصف ساعة من بيرلغنتون. المصورة سيغورا التقطت له عدة صور اخرى هناك وفي اماكن اخرى خلال جولة 1983. كانت قد تعرفت عليه في سبعينيات القرن الماضي عندما عرفها الشاعر غريغوري كورسو على الن غينسبرغ. قالت ان الظهور الاعلامي لبيرني ساندرز مؤخرا اعادها للنبش في ملفاتها وقادها ذلك الى العثور على الصورة.