الأحد، 20 أبريل، 2014

حارس التوابيت لـ ونغوانغ هوانغ - ترجمة علي البدري

حارس التوابيت:  فصل من رواية "الحارس الأحمر الصغير" لـ ونغوانغ هوانغ. ترجمة علي البدري



عندما كنت في التاسعة من عمري، شاركني التابوت غرفتي. جاء به والدي كهدية لجدتي في عيد ميلادها الثالث والسبعين، وسماه "شو مو" وذلك يعني "خشب المعمرين" وهي تسمية غريبة لصندوق سوف تدفن به جدتي.  تم تجريم دفن الأموات هنا بعد أن نجح الحزب الشيوعي في السيطرة على الصين، ولذلك لم أكن قادراً على إخبار أي أحد بأمر التابوت.

عاشت جدتي مع أسرتي في مدينة شيان، وعندما بلغت الثانية والسبعين في عام 1974، أصبحت مهووسة بفكرة أن موتها صار وشيكاً. كانت تحفظ مقولة شعبية قديمة وترددها في ذهنها "سيقوم ملك الموت بعمله، عندما يبلغ المرء الثالثة والسبعين". لم تكن قادرة على إثبات صحة تلك المقولة، لكنها كانت تردد من جيل إلى آخر، ولهذا فهي حقيقية بالنسبة لها. أرادت أن تكون مستعدة، بعد أيام من السنة الجديدة، صارت تزعج أبي بشأن مراسيم الجنازة، أرادت أن تدفن على الطريقة التقليدية، مبينة تمسكها بتلك التقاليد 
ورفضها لأي أقتراح آخر بشأن الدفن.

الحزب الشيوعي فرض حرق جثث الأموات لأسباب إقتصادية، لأن المقابر سوف تحتل نسبة كبيرة من الأراضي التي من الممكن أن تكون مكاناً للمشاريع التنموية. هناك أيضاً أسباب آيديولوجية، فهم يرون أن تقاليد الدفن لها رمزية دينية يرفضها الحزب الشيوعي.

والدي، الذي عمل جاهداً ليصبح مثالاً للعمال وعضواً في الحزب، يعرف بأن دفن جدتي هي من التقاليد التي يرفضها الحزب الحاكم، وقد تضعه بمأزق سياسي، يمحي كل ما قدمه للحزب. نيران الثورة الثقافية كانت قد خمدت، لكنك قد تقع بمشكلة لتمسكك بعادات وتقاليد أجدادك. أتذكر الرحلة التي أقامتها إدارة المدرسة إلى مكان عام لرؤية رجل يعاقب بشكل علني لأنه أقام حفل زفاف لإبنه على التقاليد الصينية القديمة خارج حدود مدينة شيان. الرجل عوقب لأن بعض السكان المحليين قد أبلغوا السلطات بأنه قد قام بتأجير كرسي السيدان الأحمر لحمل العروس.

كنت قائد مجموعة الشباب الشيوعي في المدرسة، وفي مسابقة الغناء السنوية كنا نغني "تسقط فلسفة كونفوشيوس، لنعارض الطقوس القديمة." كنت أبغض التقاليد القديمة ودفن الموتى. أتذكر جيداً عندما كنت في جنازة امرأة مسنة دفنت بطريقة تقليدية في مدينة لم تكن تطبق قوانين الحزب الشيوعي. إرتدى أقارب الميتة ربطات رأس بيضاء، قمصان من الكتان الأبيض، وأحذيتهم مغطاة بقماش أبيض. كانوا يبكون ويندبون. حفيد المرأة المسنة كان يتصدر المسيرة، رافعاً ورقة بيضاء معلقة على سيقان الخيزران، لم أفهم المكتوب على الورقة، لكن والدي قال انها رسالة منهم يتمنون فيها أن تكون في رحلة سلام للعالم الآخر، والنجاح في مرحلة إستنساخ الأرواح.

منافق، هذا ما قد يعتقده رفاقي في المدرسة. أردد أناشيد الحزب الشيوعي هناك، وأمارس طقوس أجدادي في المنزل. الأسوأ انهم سيسخرون مني إذا شاهدوني أرتدي الملابس البيضاء.

حاول والدي في البداية أن يغير رأي جدتي. عندما كنا نجتمع لتناول العشاء، كان يخبرها عن الحاكم الشيوعي الذي فرض حرق الأموات، وكيف ان الناس يطردون من الحزب وكيف تدمرت حياتهم حين مارسوا طقوس الجنازات القديمة. بعد أن عاد والدي من جنازة أحد زملاء العمل في محرقة "سانزهو" قال لها، "لم يكن الأمر بذلك السوء، لأننا نفقد إدراكنا عند موتنا، لن يكون لنا وجود. لماذا نهتم بما قد يحدث لأجسادنا؟" فهزت جدتي المذعورة رأسها "لا أريد العذاب بعد موتي" قالت انها سمعت عن عمال الأفران، وكيف انهم لا يقومون بإفراغها من الرماد بشكل كامل من الداخل بعد كل عملية حرق "عندما يأخذون رمادي من الفرن، كيف ستعرف انه لم يختلط برماد امرأة أخرى؟" قالت ذلك وذهبت لتنظف طاولة الطعام في محاولة منها لإنهاء النقاش.

أمي لم تكن قادرة أن ترى زوجها في محنة كهذه وتصمت. "في أي مكان تريدين أن ندفنك؟ هل رأيت أي مقبرة في هذه المدينة؟" هزت جدتي المنزعجة رأسها: "من قال انني يجب أن أدفن في شيان؟ أريد أن أدفن في هينان بجانب قبر زوجي". فأتسعت أعيننا غير مصدقين ما نسمعه.

مات جدي بعد معاناة مع مرض السل منذ أكثر من أربعين عاماً، ووفقاً لكلام جدتي فقد دفن في موقع جميل قرب النهر الأصفر. تباهت بمساعدة أحد حكماء فلسفة الفينج شوي في إختيار مكان القبر. جدتي كانت تصدق ان دفنها بجانب جدي سيعيد تشكيلنا نحن، وسنتبلل بأمطار بركاتهم. "أنتم لن تقوموا بدفني من أجلي فقط، بل هذا من مصلحة عائلتنا ومستقبلها".

بعدما زاد حديث جدتي حول موتها وإقترابه، زاد إنعزال والدي، لم يعد يتكلم عندما نجتمع حول وجبة العشاء كما كان يفعل سابقاً. أسمعه أحياناً في منتصف الليل يتذمر لأمي من جدتي.

كغيره من الصينيين في تلك الأيام، الأب هو أكثر أعضاء الأسرة حماسة للحزب. كنت أرى كيف كان واثقاً في الإجتماعات العامة، لكنه كان مختلفاً في المنزل. في أحد الأيام قرأت المعلمة مقالة تستنكر الفكرة الكونفوشية في "بر الوالدين"، وقالت: "إذا كان والديك أو أقاربك متورطون في نشاطات ضد الثورة، لا تتردد في الإبلاغ عنهم".
عندما نقلت لوالدي ما قالته المعلمة، قال انها مجرد ترهات إعلامية، "وحده المغفل هو الذي يخون من قام بتربيته ورعايته. هذا ليس شأنهم".

بعد أشهر من التفكير، إتخذ والدي قراره، طلب أن نجتمع حول طاولة الطعام وأعلن، "جدتكم أكثر من ضحى من أجل هذه العائلة، والآن هو دورنا لكي نضحي من أجلها. سنقوم بتوفير الأموال ونرتب الخطة اللازمة لتحقيق أمنيتها عندما تموت. علينا أن نتوخى الحذر، لا تخبروا رفاقكم في المدرسة لما نخطط لفعله، ليكن هذا سرنا".

جدتي مرضت بعد إجتماعنا السري بفترة قصيرة. حرارتها إرتفعت، ولم تسعفها الأدوية التي جاء بها والدي من عيادة عمله، وتحت توصية من أحد زملائه إمتطى والدي دراجته الهوائية وقادها نحو ضواحي المدينة لمقابلة الدكتور زو، الذي كانت له خبرة في الأدوية الشعبية. رغم إيمان والدي بأغلب علوم العالم الغربي، إلا انه لم يكن يثق بالأدوية الغربية. الدكتور زو يعمل كتقني في معمل لتصنيع الجوارب صباحاً، لكنه يمارس مهنته في مجال أدوية الأعشاب الشعبية ليلاً ليزيد من أجره. تم القبض عليه أكثر من مرة، وقد رأيت عدد من اللافتات التي تستنكر أعماله وتدينه في الشوارع وحول المصنع. دكتور زو الآن يقوم بهذا العمل من أجل أصدقائه، لذلك حضر إلى منزلنا وعاين نبضات جدتي، فحص لسانها، وعيناها. قال ان جدتي تعاني من "شانغ هو" وهذا يعني حرارة مرتفعة جداً، مما أدى لتلوث داخلي. خربش على عجل كعادة الأطباء أسماء الأعشاب وأعطى الورقة لوالدي، الذي لم يفهم منها أي شيء. ولأنني لم أذهب للمدرسة في اليوم التالي، أخذت الوصفة إلى محل تفوح منه رائحة الأعشاب للحصول على الأدوية، وشاهدت الجذور والأوراق والأشياء التي لا أعرف أسمائها وهي تؤخذ من الجرار الزجاجية ويتم تكسيرها وخلطها ووضعها في ستة حزم صغيرة.

لست ليال، كان والدي يفرغ ما تحتويه الحزم داخل وعاء من الماء المغلي لساعات فوق موقد الفحم. النتيجة كان عبارة عن عصير أسود يكفي لملء وعاء كامل تبتلعه جدتي وهي تلوي قسمات وجههاً الماً.

المرض قضى على صحة جدتي، لكنه لم يقضي على عزمها، أوصت والدي أن يجهز التابوت، شعرت انها كانت قلقة من ان تموت بلا تابوت مما يجعل والدي يرضخ لضغوط الحزب ويرمي بحثتها في الفرن مباشرة بعد موتها.

بعد ستة أيام، صار والدي يعود باكراً للمنزل ويبقى لفترة قصيرة ومن ثم يخرج مرة أخرى. كان يمضي أمسياته برفقة صديق محترم يدعى "العم لي"، معاً قاموا بدراسة العواقب السياسية المحتمل حدوثها بعد جنازة جدتي. العم لي، مدير مكتب البلدية للصناعات الخفيفة يعرف والدي منذ عشرين عاماً، وكان معجباً بشجاعته. "أمك امرأة ضحت بالكثير، وهذه قد تكون طريقة مناسبة لرد بعض الدين لها". كان مستعداً لمساعدته في حال لم تسر الأمور على ما يرام، لكنه شكك بحدوث أمر خاطئ اذا حصل الدفن بسرية تامة: "عائلتك من طبقة العمال، والدتك كانت خادمة 
فقيرة وغير متعلمة، لذلك قد تفلت من العقاب"





ونغوانغ هوانغ كاتب ومترجم صيني

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق