الثلاثاء، 18 يوليو، 2017

[ترجمة] آلن غينسبرغ عاد لينقذنا - مارك د. شلايفر



 


السابع من اوكتوبر 1955. آلن غينسبرغ يقف امام الجماهير الحاضرة الى غاليري 6 لسماع قصيدته الجديدة (عواء). لورنس فيرلنغيتي، مؤسس وصاحب مكتبة ودار النشر سيتي لايتس - City Lights يعرض على الشاعر نشر القصيدة. بعدها يحصل غينسبرغ على وظيفة كأمين مخزن على ظهر سفينة تبحر نحو المنطقة القطبية الشمالية وذلك حتى يوفر لنفسه مبلغا مناسبا للسفر الى المغرب ومساعدة ويليام بوروز على تحرير وتدقيق رواية (الغداء العاري). على متن تلك السفية قام غنسبرغ ببعض التعديلات على مسودة كتاب (عواء وقصائد أخرى). في الفترة ما بين الامسية التي قامت في غاليري 6 وهذه المقابلة سافر إلى عدة اماكن: قام وزميله غاري سنايدر بالوقوف على جانب الطريق والطلب من الغرباء توصيلهم الى عدة نقاط حتى نجحا بالسفر من سان فرانسيسكو الى سياتل. ومن هناك التقى بصديقه الشاعر غريغوري كورسو وذهبا الى مدينة لوس غاتوس في كاليفورنيا لزيارة نيل كاسدي. قام آلن وكورسو وبيتر اورلوفسكي الذي اصبح لاحقا عشيق غينسبرغ بزيارة جاك كيرواك في مدينة نيو مكسيكو ومن هناك، سافر آلن غينسبرغ وبيتر اورلوفسكي وجاك كيرواك من نيويورك الى طنجة للقاء ويليام بوروز. من المغرب سافر غينسبرغ الى اسبانيا، فرنسا وايطاليا قبل ان يعود مرة اخرى الى باريس لمقابلة غريغوري كورسو، واقناع دار اولمبيا بنشر رواية الغداء العاري لبوروز. من باريس قام آلن غينسبرغ بزيارة امستردام وانجلترا قبل ان يعود الى نيويورك عام 1958. خلال تلك الرحلات صادرت دائرة الجمارك 520 نسخة من كتاب "عواء" بدعوى انه  بذيئ ومبتذل ومخل بالآداب العامة، لكنها عادت وفسحت الكتاب بعد ان رفض النائب العام لولاية سان فرانسيسكو القضية المرفوعة على الكتاب. بعد ذلك تولت الشرطة المحلية زمام الامور وقام ضابط قسم شؤون الاحداث، ويليام هانراهان بالقبض على بائع الكتب شيغيوشي موراو الذي باع نسخة من الكتاب لشرطي متخف ومن ثم رفع شكوى ضد فيرلنغيتي كونه الناشر وصاحب المكتبة، واورد في التقرير ان الكتاب غير مناسب لغير البالغين. تحرك الاتحاد الامريكي للحريات المدنية وباشر الدفاع عن فيرلنغيتي وموراو وحصلا على البراءة حيث رأت المحكمة ان للكتاب قيمة ادبية. وبينما كان الكتاب يحصل على شهرة واسعة، كان غيسنبرغ خارج البلاد يواصل اسفاره حتى منتصف الستينيات. وبسبب تواجده في خارج الولايات المتحدة وعدم توفر وسائل اعلامية كافية، كانت المقابلات التي اجريت معه قليله وقصيرة. التقينا به لأول مرة في نيويورك بعد عودته من باريس.


"لماذا عدت يا آلن؟" قلت.
"لأنقذ أمريكا" أجاب. "ولا اعلم مما"
وما بين سؤال وابتسامة، اجابة وضحكة، واول كأس جعة في الوقت والمكان ما بين الطاولة والارض المغطاة بنشارة الخشب، ضاع رتم الحوار. يصعب على المرء ان يحافظ على رتم الحوار عندما يلتقي بآلن غينسبرغ. جلس آلن غينسبرغ امام طاولة في حانة محلية، مرتديا قميصا ملونا وبنطالا باهتا. اتذكر فترات الراحة التي اخذناها، عندما طلبت كأس جعة مثلا، او عندما قام غينسبرغ وطلب اعواد كبريت من فتيات جلسن بجانبنا. احيانا كنت ادون الملاحظات واحيانا لا. هذا النص ليس نبذة عن الشاعر النيويوركي، بل سلسلة من ردوده وافكاره وجمله. لو كنت انوي الكتابة عن غينسبرغ بدلا عن كتابة ما يقول لكتبت ابتهالا في حقه.




عن باريس:
قضيت ثمانية اشهر في باريس رفقة ويليام بوروز وغريغوري كورسو. شعرية كورسو في قمتها الآن، هو وبوروز (صاحب رواية الغداء العاري، رواية خالدة ستقودكم للجنون) يعيشان هناك، كورسو يكتب قصائد غنية وعظيمة. منذ قصيدته (غاسولين) وهو يوسع المنطقة التي قام غيره من الشعراء بتغطيتها. كما تعرف، انا قريب من الادب، لكن كورسو يستيطع الكتابة عن كرات العث او القنابل الذرية. في باريس، زرنا لوريس فردناند سيلين، كاتب لن تستطيع قراءة اعماله بعد الآن في اوروبا، وذلك لاسباب سياسية. شخص نكد يرتدي ملابس سوداء اللون، مجنون وجميل. عندما وصلنا اليه، ظن اننا صحفيون وصرخ: "الصحافة مرة أخرى!" قبل ان نخبره اننا مجموعة من الشعراء.

عن الاسلوب الغريزي في الكتابة:
تحدث في البداية عن جاك كيرواك: جاك اعظم من يكتب حاليا. يكتب باستمرار، قادر على كتابة مئة كلمة في دقيقة، وفي كل مرة يكتب تزداد مهارته. قادر على تحجيم نسبة التكرار التي ينزعج منها الكُتاب. تعجبني مقارنتك لاسلوبه الغريزي بحالة الانغماس والتركيز الموجودة في فلسفة الزن، لكن اسلوب جاك تم اكتشافه او وصل اليه بشكل فطري وليس منسوخا من فلسفة لاهوتية.
 عن نورمان بودوريتز: (في عدد ربيع عام 1958 لمجلة بارتيسان ريفيو، هاجم نورمان بودوريتز كتاب جيل البيت، وبشكل رئيسي جاك كيرواك والن غينسبرغ، ووصفهم بـ"بوهيميان جاهلان". اتهم كيرواك وغينسبرغ بالعدوانية وانهما يحاربان المفكرين وان تسويقهم لفكرة الكتابة الغريزية دمرت "الحاجز الذي يفصل بين الواقع والادب".) "الرواية بوجهة نظري ليست حالة خيالية لحقيقة خيالية، بل هي تعبير لما يحس به الكاتب. بودوريتز لا يكتب النثر، لا يعرف كيف يكتب النثر، وهو غير مهتم في المشاكل التقنية للنثر او للشعر. هجومه على طريقة كيرواك التلقائية في الكتابة تفضح جهله في التفريق بين الكلمات والايقاع الشعري وبين الكتابة وفن الالقاء. الجزء الذي يتحدث فيه عن كوننا نحارب المفكرين يعبر عن تكبره. تلقينا ذات التعليم، وذهبنا الى نفس المدارس ونعرف ان هناك نوعان من (المثقفين). بودوريتز شخص غير متصل بأدب القرن العشرين، يكتب لقراء يفكرون كما لو كانوا من القرن التاسع عشر. الآن، نملك ادب يعبر عن الكُتاب شخصيا: بروست، ولف، فوكنر، جويس. مشكلة بودوريتز انه يتباهى بعقله السمين والتافه. 
عن نورمان ميلر: "قرأت له (الزنجي الابيض) نص يحمل في طياته لمسة روحانية وهي المقالة الوحيدة الجيدة التي اصطدمت بها. اود الحديث معه. سيعجبني ان علمت انه ميال للشعر النقي، وان يكون شاعرا ملائكيا. في المقالة يظهر ان لديه ولع بالاولاد الصغار حيث يقول: "قابلت عدد كبير من الاولاد اصحاب الجنح. عملت ما بوسعي حتى ابقى معهم الى الابد"
 عن شعراء اميركا: هناك حركة شعرية نهضوية تحدث الآن. سأعطيك قائمة بـ 20 شاعرا اميركيا ارى انهم الافضل. كما تعرف، لم تكن هناك اي قائمة للشعراء الثائرون. فهم قاموا بنشر اعمالهم على نطاق ضيق، لأن عملية النشر في اميركا عبارة عن فخ: جاك كيرواك، نعم، كيرواك شاعر. غريغوري كورسو، آلن غينسبرغ، ويليام بوروز. كنا معا في سان فرانسيسكو. غاري سنايدر وفيل ويلان، ايضا في سان فرانسيسكو، كلاهما الآن يقودان حركة لفلسفة الزن هناك. روبيرت كريلي، يكتب قصائد قصيرة ستعجبك. تشارلز اولسن، دينيس ليرتوف وادوارد مارشال. جماعة كلية بلاك ماونتن وهم فرانك اوهارا وكينيث كوتش. الشاعر والرسام النيويوركي جون اشبري. هناك بريسكي من شيكاغو. جون واينر، الذي ساهم في انشاء ونشر المجلة الادبية Measure. بول بلاكبيرن وجويل اوبنهايمر، ايضا من جماعة بلاك ماونتن. كتابات روبيرت لويل الحديثة، ستيوارت بيركوف، مايك ماكلور والعجوز روبيرت دونكن. هناك المزيد مثل ريموند بريمزر في بوردينتاون ورون لوينسون في لوس انجلوس. ذاكرتي لا تسعغني، وعلي ان اعتذر للمئات من الملائكة المجهولين الذين لم اذكرهم. 
"اخبرت المذيع في محطة الراديو انني احب تدخين الماريجوانا، وضع يده على لوحة التحكم فقلت: لا تضغط على الزر، وتقطع حديثي، اذا فعلت سيفهم جمهورك لماذا قمت بذلك على اية حال. ولذلك لم يفعل اي شيء. جزء من قصيدة عواء كتبت تحت تأثير المخدر."

 لا اتذكر ما تبقى من لقائي معه، أو لنقل انني اتذكر لكنني سأقف هنا. هذا النص ما هو الا مجموعة خواطر عن آلن غينسبرغ، ليس نصا على الملائكة او القديسين او عن سالينجر او كتاب الطريق الى الحج - The Way of the Pilgrim. أعجز عن محاكاتك يا آلن، أو وصفك، أو أن أختصرك في جملة أو اثنتين. كل ما بوسعي فعله هو تدوين انصاتي لك ومحاولة استيعاب ما تبقى مما تقول، لأنك الوحيد ممن اعرف، القادر على الوصول الى الدارما وهو جالس على كرسي طبيب الأسنان.

  فيلج فويس، 15 اوكتوبر 1958

الأحد، 16 يوليو، 2017

[ترجمة] مانفيستو: جمعية لتقطيع أوصال الرجال - فاليري سولاناس (1)




الحياة في أفضل احوالها في هذا المجتمع عبارة عن ضجر مطلق، وكل جانب من جوانب هذا المجتمع لم يبنى من أجل المرأة. كل ما تبقى للنساء صاحبات الفكر، المستقلات والجامحات فعله هو نبذ الحكومات، واقصاء النظام المالي، وتأسيس نظام يستعيض بالآلة بشكل كامل وتدمير الجنس الذكري. فبمقدورنا الآن التكاثر دون مساعدة الذكور (وبشكل أدق، الإناث) وإنتاج الإناث فقط. علينا البدء بهذه العملية بشكل عاجل.

الذكورة حادثة بيولوجية: كروموسوم الذكورة (Y) عبارة عن كروموسوم انوثةX) ) غير مكتمل، هذا كل شيء. مجموعة ناقصة من الكروموزومات. في عبارة أخرى، الذكر عبارة عن انثى غير مكتملة، عبارة عن اجهاض يسير على الأرض، عملية اجهاض حدثت في مرحلة تكون الجينات. الذكورة هي ان تكون عاجزا، محدود العاطفة، الذكورة مرض النقصان، والذكر مشلول عاطفيا. الذكر أناني بشكل كامل، عالق في فخ ذكوريته، عاجز عن التعاطف والتواصل مع غيره. عاجز عن الحب، وتكوين الصداقات، فاقد للحنان. هو كتلة منزوية بشكل كلي، عاجز عن التآلف مع أي أحد. يتعاطى بشكل حسي لا وجداني، وفطنته أداة لخدمة رغباته واحتياجاته. لا يستطيع ان يتعاطف او يتواصل بشكل ذهني. لا شيء يعنيه غير الاحاسيس الجسدية. هو نصف ميت، جسد لا يستجيب للعلاج، لا يعطي ولا يستقبل المرح او السعادة، وبناء على هذا: هو وفي أفضل احواله عبارة عن ضجر صاخب، فرقعة لا تضر، فمن لا يملك القدرة على استيعاب غيره لن يكون فاتنا. الذكر عالق في منطقة تتوسط البشر والقرود، بل هو أسوأ بكثير من القرود، حيث انه وعلى عكس القرود، يحمل مشاعرا سلبية، مثل الكراهية، والغيرة والذل والبغض والذنب والعار والشك وأكثر. الذكر يعلم حقيقته. ومع انه كائن جسدي بالكامل، الا انه غير صالح لمهام الفحولة. وبغض النظر عن الفعالية الميكانيكية التي يتملكها البعض من الرجال، الا انهم أولا: يفتقدون حس الامتاع واللذة، بل ان مشاعر الذنب والخزي والخوف وعدم الأمان تلتهمهم، وهي مشاعر مغروسة في طبيعتهم الذكرية، وكل ما تستطيع تمارين التثقيف الفكري فعله هو تقليل حدتها لا أكثر. ثانيا: المشاعر الجسدية التي يبلغها محدودة ولا تكفي. ثالثا: هو غير متعاطف مع شريكه، مهووس بما يفعله، حيث تتحول العملية الى أداء يشبه سباكة المواسير وانابيب المياه. تشبيه الرجل بالحيوان سيكون بمثابة ثناء له، هو مجرد آلة، قضيب صناعي سائر. يقال ان الرجال يستغلون النساء، ما نوع الاستغلال؟ بالطبع استغلال غير ممتع. الذكر مهووس بعملية الإيلاج، وهو مستعد للسباحة في نهر من المخاط، والغرق حتى انفه في وحل من القيء إذا عرف ان في الضفة الأخرى مهبلا ودودا ينتظره. سيضاجع امرأة يبغضها، أي عفريتة شمطاء بأنياب وأكثر. لماذا؟ لن تكون الإجابة في انه احتاج لتحرير نفسه من التوتر الجسدي، لأن الاستمناء قادر على توفير ذلك النوع من التحرر. ولن تكون الإجابة لإرضاء غروره، فهذا لا يفسر مضاجعته للجثث والأطفال.
كونه انثى غير مكتملة، الذكر يقضي حياته في محاولة لإكمال نفسه، ليصبح أنثى، يسعى باستمرار للتقرب منها وزعمه بامتلاك كل خصائصها مثل قوة العاطفة والاستقلالية، والعزيمة، والديناميكية، والقدرة على اتخاذ القرارات، والهدوء، والعقلانية، والإصرار والمصداقية، والشجاعة، والأمانة، والهمة، والحماسة، وعمق الشخصية، إلخ. ويرمي عليها كل سمات الذكور: التفاهة والغرور، والحقارة، الخ. ولكن لا بد من الاعتراف ان للذكر مهارة مهمة واحدة يتفوق فيها على الانثى وهي: مهارة التحدث مع العامة، حيث استطاع من خلالها ان يقوم بعمل جبار وإقناع الملايين من النساء ان الرجال نساء، وان النساء رجال.
لا تحسد المرأة الرجل على قضيته، بينما الرجل يحسدها على مهبلها. عندما يعترف الرجل بسلبيته ويبدأ بتعريف نفسه كامرأة (أوضح هنا ان الذكور مثل الاناث ايضا، يعتقدون الرجال نساء، والنساء رجال)، ويصبح متحولا فيبدأ بفقدان الرغبة بالايلاج ويقدم نفسه كـ دراغ كوين – Drag queen، ويبتر قضيبه، فما الإيلاج بالنسبة للرجل سوى عملية دفاعية ضد رغبته في ان يصبح انثى. الذكر مسؤول عن:

الحروب: ردة فعل الذكر الطبيعية تجاه عدم كونه انثى هو حمل "سلاحه الكبير" الخامل، حيث انه قادر على حمله لمرات قليلة ومعدودة ليبرهن للعالم اجمع انه (رجل). ولكونه فاقد للرأفة والعطف، يبدأ عملية اثبات رجولته بتشويه وتعذيب حياة عدد لا نهائي من البشر، ومن بينها حياته نفسها، حياته عديمة الجدوى، حيث يفضل القتال حتى الموت على ان يعيش لخمسون سنة إضافية.

اللطف، الدماثة، والوقار:
يعلم كل رجل في قرارة نفسه انه قطعة براز بلا قيمة. محملا بفطرة بهيمية يخجل منها في اعماقه. لا يود التعبير عن نفسه امام الآخرين بل يخبئ عنهم طبيعته البدنية، وانانيته ومشاعر الكراهية التي يحملها تجاه غيره من الرجال، وأيضا يخبئ نفسه من ذات المشاعر التي يحملها غيره من الرجال تجاهه، فالتركيبة الخشنة لنظامه العصبي تستفزها أصغر صور المشاعر والأحاسيس. الذكر يسعى لفرض تشريع "اجتماعي" يضمن تقبل سطحية تامة لا تتأثر بشعور او رأي مزعج. الذكر يستخدم مصطلحات مثل: المضاجعة، الجماع، علاقة (العلاقات الجنسية بالنسبة للرجال عبارة عن حشو زائد) يكسو نفسه بهذا الثوب الفضفاض من الكلمات المنمقة: مثل شامبانزي في بزة رسمية.  


المال، الزواج، الدعارة، العمل وتعطيل فكرة انشاء مجتمع يعتمد على الآلة:
لا يوجد أي سبب إنساني لوجود المال، أو لأن يعمل أي شخص لأكثر من ساعتين أو ثلاث كل أسبوع. كل الاعمال غير الإبداعية (وهو بالضبط ما نقوم بفعله الآن) كان بمقدورنا ومنذ زمن طويل توكيل الآلة للقيام بها، وستحصل كل امرأة في مجتمع يخلو من المال على ما تريده. لكن هناك أسباب لا إنسانية، أسباب ذكورية للإبقاء على النظام المالي.